بحث: رشا عبد الله سلامة
تمهيد للبحث
فتح استنكاف الرئيس المصري حسني مبارك عن حضور القمة العربية الأخيرة، التي عُقِدت في العاصمة القطرية الدوحة، الباب على مصراعيه للرؤى والتحليلات السياسية والإعلامية تحديدا، لاسيما وأن الموقف المصري الرسمي عبّر مرارا عن استيائه لما وصفه ب "الحملة التي تشنها قناة الجزيرة على النظام المصري وكبار مسؤوليه".
وفي وقت لم تكن فيه القمة الأخيرة هي الميدان الأول للمشادات السياسية والإعلامية بين قطر ومصر؛ إذ شهدت تغطية قناة الجزيرة أثناء الحرب الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة انتقادا مصريا واسعا، ما وضع الجزيرة ووسائل الإعلام المصرية تحت دائرة الضوء في الآونة الأخيرة؛ لاستجلاء حقيقة موقف الطرفين.
في الصفحات التالية، سيتم وضع القضية الآنفة تحت المجهر، ليصار إلى تشريحها بأسس بحثية، وفقا لمنهجية دراسة الحالة، وعبر الطريقة الاستطلاعية، مع اعتماد الاستقصاء والمقابلة أداتان رئيسيتان للبحث.
الفرضيات التي ينطلق منها البحث
سيتم الانطلاق من الفرضيات التالية في البحث:
- أن هنالك انتقاد مصري لسياسة قناة الجزيرة في التغطيات الإعلامية التي تتناول الموقف المصري الرسمي. وقد تم اعتماد هذه الفرضية بناء على متابعة تصريحات وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط وغيره من المسؤولين والإعلاميين المصريين، والتي سيتم استعراضها لاحقا في البحث.
- أن هنالك أحداثا سابقة شهدت التوتر السياسي والإعلامي بين قطر ومصر، وتحديدا أثناء الحرب الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة. وقد تم اعتماد هذه النظرية من خلال التصريحات الرسمية والإعلامية المصرية حينها، والتي سيتم استعراضها لاحقا أيضا أثناء البحث.
الأسئلة التي يناقشها البحث، والتي تتضمن تحديدا لأهميته
- هل تتبنى قناة الجزيرة، بحسب ما يلمح إليه الساسة المصريون، الأجندة السياسية القطرية حيال القضايا العربية والعالمية؟
- هل عبرت الصحف المصرية عن الامتعاض المصري الرسمي من قناة الجزيرة، أم أنها ناقشت القضية بحيادية؟
- هل يحق لوسائل الإعلام عموما النطق بأجندات الدولة التي تبث منها أو وجهات نظر القائمين عليها؟
أبرز المصطلحات التي يتضمنها البحث
الإعلام: رسالة يراد إيصالها إلى فرد أو جماعة من خلال عملية اتصال، لابد لتحققها من وجود أربعة عناصر: مرسِل، مستقبِل، قناة اتصال، رسالة.
المقابلة الصحفية: الحديث الذي يجريه الصحفي مع شخصية سياسية أو فنية أو رياضية أو ثقافية أو أخرى مؤثرة، أو مع شاهد على حدث ما. ويتسم هذا الحديث بالثنائية؛ أي بين الصحفي والمحاور.
المقال:
1- المقال الإخباري: يجيب في تفاصيله على الأسئلة التالية: من/ ماذا/ متى/ أين، وفي العادة لا يتجاوز البضع فقرات.
2- المقال المصهور: صهر لمجموعة أخبار في مقال واحد. وعادة ما تكون وكالات الأنباء والمراسلين والصحفيين هم مصادر هذا النوع من المقالات.
الصحف:
1- الملتزمة: الناطقة باسم حزب أو جماعة أو توجه ديني معين، وهي التي تصبغ موادها الصحفية بصبغتها الخاصة.
2- المستقلة: هي تلك التي لا تنتمي لحزب ولا لجماعة، بل تهدف لنقل الحقيقة، إلى جانب سعيها تلبية رغبات القارئ والترفيه عنه.
3- الرسمية: هي تلك التي تخضع لإشراف الدولة، فتكون لسانها الشارح لسياساتها ومواقفها في الميادين كافة.
أبحاث سابقة حول الموضوع
ناقشت مقالات ومقابلات عدة مهنية قناة الجزيرة، وتحديدا في الآونة الأخيرة التي هاجمت فيها وسائل إعلام مصرية عدة ما أسمته "تشويه قناة الجزيرة لصورة مصر"، وتحديدا إبان انعقاد القمة العربية الأخيرة في الدوحة.
وسيتم استعراض عدد من هذه المقالات والمقابلات في تفاصيل البحث.
غير أن قناة الجزيرة أُخضِعَت مرارا للدراسة والتمحيص عبر أبحاث عدة، منها:
- " آراء أساتذة العلوم السياسية والإعلام بشأن مدى مهنية الجزيرة"، والذي أعده مركز الجزيرة للدراسات في العام 2008.
-" أطروحة ماجستير في جامعة بيرزيت حول قناة الجزيرة"، للطالب محمد أبو الرب في العام 2008.
-"الجزيرة: لاعب إقليمي على المسرح الإعلامي العالمي"، للباحث الإعلامي اليمني الدكتور عبده جميل المخلافي في العام 2006.
- دراسة صدرت في العام 2004 عن مركز رام الله لدراسات حقوق الإنسان أظهرت بأن الفلسطينيين يثقون بمصداقية قناة "العربية"، بينما يفضلون متابعة قناة "الجزيرة" الفضائية.
نظريات إعلامية داعمة لموضوع البحث
تتحدث النظريات التالية عن علاقة الإعلام بالسياسة، وعن كيفية إيصال رسالة سياسية مقنعة عبر التلفاز تحديدا:
يقول الدكتور حسن مكاوي والدكتورة ليلى السيد في كتابهما "الاتصال ونظرياته المعاصرة" تحت عنوان فصل "علاقة وسائل الإعلام بالنظام السياسي"، يقولان "يعتمد النظام السياسي على موارد وسائل الإعلام لتحقيق الأهداف التالية: زيادة وتدعيم القيم والمعايير الأساسية مثل الحرية والمساواة وإطاعة القوانين والتصويت الانتخابي، الحفاظ على النظام السياسي وتحقيق التكامل الاجتماعي من خلال بث روح الإجماع وتكوين الرأي العام، التحكم وكسب الصراعات داخل السيادة السياسية كصراعات الأحزاب أو الصراعات بين النظام السياسي ونظم اجتماعية أخرى مثل النظام الديني للفصل بين الدين والدولة".
وأكمل كلاهما، فيما يتعلق بأهداف اعتماد وسائل الإعلام على النظام السياسي، قائلين "لاكتساب الحماية التشريعية والقضائية والتنفيذية مثل حماية التعديل الأول من الدستور الأميركي لوسائل الإعلام، والحصول على معلومات رسمية وغير رسمية لتغطية الأخبار مثل عقد المؤتمرات الصحفية والحصول على تصريحات بشأن الأوضاع السياسية والاقصادية والاجتماعية، وتحقيق عائد من الإعلانات السياسية في أوقات الانتخابات".
وبرغم ذلك، يقر كلاهما بأنه "يمكن أن يحدث الصراع بين النظام السياسي ووسائل الإعلام، بسبب رغبة الحكومات في فرض رقابة على النشر وسرية المعلومات لعدم حصول وسائل الإعلام عليها، وإخفاء الفساد السياسي، وكذلك رغبة وسائل الإعلام في ممارسة دور كلاب الحراسة لمراقبة سياسات الحكومة، وترويج مبدأ الحق في المعرفة والحفاظ على سرية المصادر الإعلامية"، غير أنهما يستدركان قائلين أنه مع ذلك لا يستطيع النظام السياسي أو وسائل الإعلام أن يعيش أي منهما ويحقق أهدافه بدون الاعتماد على الآخر.
ويسوق مكاوي والسيد تحت عنوان فصل "محتوى الرسالة واستراتيجيات الإقناع"، أساليب الإقناع المستخدمة من قبل الوسائل الإعلامية و هي: "وضوح الأهداف مقابل استناجها ضمنيا، تقديم الرسالة لأدلة وشواهد، عرض جانب واحد من الموضوع مقابل عرض الجانبين، ترتيب الحجج الإقناعية داخل الرسالة، استخدام الاتجاهات أو الاحتياطات الموجودة لدى الجمهور، تأثير رأي الأغلبية، تأثير تراكم التعرض والتكرار".
كما يعرجان على الاستمالات المستخدمة في الرسالة الإقناعية في الإعلام، وهي "العاطفية والعقلانية والتخويف".
وفي كتاب "مبادئ علم الاتصال ونظريات التأثير" يقول مؤلفه الدكتور محمود حسن إسماعيل إن تأثير التلفزيون يكمن في جوانب عدة، أهمها أنه "يخاطب حاستين من الحواس في وقت واحد وهما السمع والإبصار، أنه أقرب وسيلة للاتصال المواجهي بل إنه يتفوق عليه باستطاعته تكبير الأشياء الصغيرة وتحريك الأشياء الثابتة، أنه يتسم بالحالية إذ يقدم المادة زمن حدوثها، أنه وسيلة هامة للتقريب بين الشعوب، أن له أهمية سيكولوجية من خلال نظرية التراكم أو الترسيب".
كما أفرد لأهميته السياسية جانبا كبيرا عندما وصفه بقول "أداة خطيرة ووسيلة فعالة في توصيل سياسات الدول والحكومات والأفراد وله دور خطير في عملية صنع القرار، كما يستطيع المساهمة بدور فعال في عملية التنشئة السياسية للمواطنين على اختلاف أعمارهم خاصة الأطفال والشباب".
وأردف قائلا "يسهم التلفزيون مع غيره من وسائل الاتصال الجماهيري في محو الأمية السياسية بتقديم المعلومات السياسية سواء بطريقة مباشرة في نشرات الأخبار أو بطريقة غير مباشرة في البرامج المختلفة والتي تكوّن فكرا سياسيا له قيمة لدى الشباب يستطيع من خلاله الإدراك والتعامل مع التيارات السياسية العالمية".
البحث
يتحدث مدير مركز حماية حقوق وحرية الصحفيين في الأردن نضال منصور عن مدى حيادية وسائل الإعلام العربية، قائلا"لا بد لنا من أن نقر بأن وسائل الإعلام العربية تخضع لأنظمة الحكم وبالتالي فهي غير مستقلة، ومنها قناة الجزيرة وكذلك الصحف المصرية؛ إذ إن الاستقلالية غير متوفرة لدينا حتى نبرّأ الإعلام العربي من الأجندات السياسية".
ويدعو منصور إلى "محاكمة أية وسيلة إعلامية وفقا للمعايير المهنية".
ويفرز في هذا المقام المواد الإعلامية إلى قسمين "الأخبار الصحفية والتقارير الإخبارية"، وهي التي تُحاسَب المؤسسات على صحتها ودقتها، بحسبه.
فيما القسم الثاني هو "المقابلات والأحاديث والآراء التي ترد في برامجها والتي لا تتبناها المؤسسة بالضرورة وتنسب لأصحابها"، والتي يقول منصور إن المؤسسة الإعلامية لا تتحمل مسؤوليتها "إلا إذا تجاوزت على القانون وفيها ادعاءات من دون دلائل".
وفي هذا الصدد، يدعو منصور إلى "وضع مدونة سلوك مهني" تكون معروفة وواضحة لصحفيي المؤسسة الإعلامية وضيوفها الذين يبثون آرائهم عبر برامجها، كما يشدد منصور على "ضرورة منح الطرف الآخر حق الرد في مدة زمنية مماثلة لتلك التي تحدث بها الطرف الأول".
تعليق منصور الآنف، جاء على خلفية سؤاله عن وجهة نظره الإعلامية حيال الاتهامات المصرية التي رددها مسؤولون مصريون وصحف مصرية؛ إذ ذكر وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط في مقابلة له أجراها في أعقاب الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة مع قناة (أوربت) الفضائية "البعض تصور أن محطة فضائية يمكنها إسقاط الدولة المصرية دون أن يدرك بأن مصر أقوى بكثير من ذلك. مصر كبيرة جدا وذات تأثير بالغ على الرغم من محاولات التأثير في هذا الموقف والدور، سواء في قناة الجزيرة أو غيرها من القنوات".
وإن كان أبو الغيط أجمل الجزيرة في قوله السابق مع قنوات أخرى، فإن جريدة "المصري اليوم" نقلت قبيل انعقاد القمة العربية الأخيرة عن مصدر مصري مسؤول قوله أن سبب التمثيل المصري المتدني في القمة العربية هو "حملة الهجوم على مصر والتي تتبناها قناة الجزيرة القطرية، إضافة للمواقف السياسية للقيادة القطرية، فمصر مستاءة من الحملة القطرية".
قناة الجزيرة، بدورها، خرجت على المشاهدين أثناء انعقاد القمة العربية الأخيرة بتصريح نشرته وسائل إعلامية عدة من بينها صحيفة "الدستور" المصرية، مفاده أن "مصر تشوش على إرسالها أثناء القمة العربية عبر القمر الصناعي نايل سات"، مردفة بأن "هذا التشويش تسبب في انقطاع الإرسال أكثر من مرة أثناء البث المباشر لوقائع الجلسة الافتتاحية للقمة العربية التي انعقدت في الدوحة".
وكانت الجزيرة حينها، بحسب الصحيفة ذاتها، أعلنت للمشاهدين أن "هناك تشويشا على بث القمة العربية من القمر المصري نايل سات"، مطالبة إياهم "متابعة إرسال القناة عبر القمر الصناعي عرب سات، ذلك أن الصوت تقطع أكثر من مرة أثناء إلقاء القادة العرب كلماتهم خلال القمة".
ومضت "الدستور" المصرية في تناول تبعات الاتهام، عبر قول "عقب اتهام الجزيرة الصريح لمصر بساعات، اجتمع الإعلامي أمين بسيوني رئيس النايل سات مع قيادات الشركة لبحث سبل الرد على اتهام الجزيرة، وأعقب الاجتماع إصدار بيان رسمي قالت فيه الشركة إن سبب التشويش إشارة مجهولة، وأن الشركة تعتذر لمالكي القنوات الفضائية، كما أكد البيان أن الشركة تبذل جهودا مكثفة لمعرفة مصدر التداخل".
وكانت "الدستور" المصرية ربطت، في مقالها المصهور، اتهامات الجزيرة بتصريحات وزير الشؤون القانونية والمجالس النيابية المصرية الدكتور مفيد شهاب، وهو من ترأس























