فيلم “إحكي يا شهرزاد”: التيار النسوي الفني بين الانطلاق والتعثر

تشرين الثاني 6th, 2009 كتبها رشا عبدالله سلامة نشر في , غير مصنف

المزيد


مُخلص صوان… يدشّن أول مختبر «نانو تكنولوجي» لدى الفلسطينيين

تشرين الأول 21st, 2009 كتبها رشا عبدالله سلامة نشر في , غير مصنف

 
رشا عبدالله سلامة

   لم تأتِ أفكار ورؤى البروفيسور الفلسطيني الدكتور مخلص صوان بأقل مما يشي به اسمه الأول..
 
بمزاوجة لافتة بين نمطيّ الشخصية الشرقي والغربي، وبين التمسك بالثوابت الوطنية الفلسطينية والدعوة في الوقت ذاته إلى الانفتاح على الغرب.. بين هذا وذاك، كان حديث صوان، الأكاديمي المقدسي، الذي لاينفك ينسج علاقات بين الوضع السياسي في الأرض المحتلة وذلك التكنولوجي والفكري والاجتماعي.. لتكون المحصلة: رؤية ذات فرادة خاصة لفلسطين، بعيون أحد علمائها الذي بات يشار إليه بالبنان في المحافل التكنولوجية العالمية وتحديدا في حقل ما يسمى بــ «النانو تكنولوجي».

يرفض تسمية الضفة الغربية عند تصنيف مختبر «النانو تكنولوجي» الذي أسسه قبل ثلاثة أعوام، مستبدلا الاسم بفلسطين عند قوله «بل هو الأول لدى العرب في فلسطين».

حرية مطلقة في حقل البحث العلمي هي تلك التي تلقاها صوان من رئيس جامعة القدس في القدس الشرقية، الجامعة العربية الوحيدة في محيط مدينة القدس، الدكتور سري نسيبة. بيد أن تلك الحرية لم تطل الجانب التمويلي؛ إذ بدأ صوان من الصفر في تأسيسه المختبر الأول في ظل عدم توافر الدعم المادي من قِبل الجامعة لقسوة الظروف في ظل الاحتلال، ولا من قِبل دول عربية أخرى..

بالإصرار، وبكتابة أبحاث أرسلها إلى دول غربية لبرهنة استحقاق الدعم المالي، تم لصوان ما أراد؛ إذ منحته ألمانيا وفرنسا تمويلا لإنشاء النواة الأولى لمختبره الذي بات يوازي تجهيزات مختبرات «النانو تكنولوجي» الإسرائيلية والعالمية، كما غدا ملتقى لكفاءات أجنبية تأتي للاطلاع على التجربة عن كثب.
 
صوان، الذي تلقى تعليمه الجامعي في الأردن متبعا إياه بدرجة الدكتوراه من الجامعة العبرية في القدس، يشرع أبواب مختبره لكل من يود الاستزادة من تجربة «النانو تكنولوجي» الفلسطينية، وهو العلم المعني بدراسة خواص المواد على مستوى متناهي الصغر هو النانو متر، سواء كان المهتمون من جهات علمية وأكاديمية أو إعلامية أو من العامة، مانحا وقتا وجهدا وافرا للشرح عن أهمية التجربة.. تماما كما هو يواظب على كتابة مقالات صحفية عدة يسهب فيها بالحديث عن ريادة التجربة برغم كل المعيقات التي يزرعها الاحتلال الإسرائيلي، كالتضييق على إدخال المعدات اللازمة للمختبر أو منع إدخالها في بعض الأحيان.

ولا يقف صوان، الذ

المزيد


فيلم “المر والرمان”: جدلية الثورة وأوسلو حين تنسحب على حياة الفلسطينيين

تشرين الأول 16th, 2009 كتبها رشا عبدالله سلامة نشر في , غير مصنف

رشا عبدالله سلامة

  مثلت الجدلية التي ما تزال محتدمة بين تياريّ الثورة الفلسطينية المسلحة من جهة واتفاق أوسلو الذي تبنى السلام من جهة أخرى، مثلت حجر الرحى ليس في جل اقتتالات البيت الفلسطيني فحسب، بل و في الفيلم الروائي الفلسطيني "المر والرمان" لمخرجته نجوى النجار.

تلك الجدلية لم تكن حاضرة فقط من خلال نقاشات الزوج الأسير الذي يرفض التوقيع والتنازل للمحتل الإسرائيلي وبين الزوجة التي تسعى لإقناعه بالتوقيع كي يتواجد على ما تبقى من أرضه، بل هي انسحبت على حيثيات وتفاصيل عدة منها المباشرة وأخرى الرمزية، كالنزاع بين مدرب الرقصات الشعبية التقليدية والآخر الذي يسعى لإدخال حركات حديثة على لوحات الرقص الفلسطيني، وكذلك في ارتداء ممثلات العمل تصاميما واسعة من الثوب الفلسطيني المطرز، لتطرأ على الفور تصاميم غربية بحتة باتت دارجة في المجتمع الفلسطيني والعربي عموما.

ولعل مُشاهِد "المر والرمان" يلحظ مدى براعة المخرجة في التقاط التفاصيل الداعمة لسيرورة الأحداث، منها اختيار المخرجة لعائلة مسيحية؛ ما منحها مساحة ومرونة أكبر في إيراد تفاصيل حياة الأفراد بعيدا عن البصمات التي لابد من التطرق إليها عند تصوير العائلة المسلمة، كذلك هو الحال في جعل منبت بطل الفيلم مدينة رام الله، فيما البطلة من القدس، ما يرمز ضمنيا للتعايش المفروض على مناطق القدس والأراضي المحتلة في
العام 1948 وهو ما يقود بشكل أسهل لتقبل طروحات أوسلو والتعايش السلمي، بعكس المنخرطين في أجواء فلسطينية خالصة من حيث المناطق القابعة تحت حكم السلطة الفلسطينية (و لو صوريا فقط).

كذلك هو الحال في الأزياء والأطباق والطقوس الاحتفالية والاجتماعية الفلسطينية التي أسهمت أيما إسهام في خلق عمل فلسطيني واقعي يتقارب حتى التطابق مع حيوات جل العائلات الفلسطينية في الوطن المحتل والمنفى.

الواقعية الآنفة ظهرت جلية أيضا من خلال تبني المخرجة لمنهجية الروائي الفلسطيني الراحل غسان كنفاني، في النقاط التالية: فلسطين الأرض هي ذاتها فلسطين الإنسان بخيباته وانكساراته و إحباطاته وآماله وآلامه وعلائقه المتشابكة، وهو ما انسحب على حياة أبطال الفيلم كلهم ومن أبرزهم البطل والبطلة. كذلك الحال في إنزال الإنسان الفلسطيني من برجه العاجي الذي لطالما حشرته به الصورة النمطية الدارجة؛ إذ تمكنت النجار من رصد لحظات الضعف والانزلاق والانحدار لدى الفلسطيني تماما كما لحظات سموه وفرحه وانفعاله، ومن أبرز من تمثل بهم هذا المحور البطلة التي مالت بعواطفها نحو مدرب الرقص بعد أن طالت مدة اعتقال زوجها. ارتكزت كذلك النجار على تأكيد حقيقة أن الشعب الفلسطيني برمته ضحية؛ ففلسطينيو الثورة ضحايا تماما كما أوسلو والمنفى وحتى أولئك الذين لم يولدوا بعد، كل منهم ضحية على طريقته الخاصة، وبحسب ترجمته لحب فلسطين والنضال من أجلها. ثمة مقطع في هذا السياق اقتربت فيه النجار كثيرا من رواية "رجال في الشمس" لكنفاني، عندما صورت حتى تلك السيدة التي لا تملك قيما أخلاقية واضحة (صاحبة المطعم في رام الله) صوّرتها هي الأخرى بالضحية مثل عموم شعبها، لاسيما عندما تنطحت لجنود الاحتلال أثناء اجتياحهم رام الله وحصارهم الفلسطينيين هناك، ومن خلال تخصيص عبارة لها تعد الأهم تقريبا في الفيلم، عندما قالت لجندي الاحتلال "إحكي عربي تحكيش عبري، إنت هون برام الله مش بتل أبيب"، في تلميح واضح

المزيد


المسألة الفلسطينية والقضية اليهودية: المدنية- البرجوازية حين تؤرخ لما قبل النكبة

أيلول 11th, 2009 كتبها رشا عبدالله سلامة نشر في , غير مصنف

 
رشا عبدالله سلامة

  لعل الملمح الأبرز في كتاب "المسألة الفلسطينية والقضية اليهودية" لخالد عبد الرؤوف البيطار، يكاد يكون تفنيد الحقبة الزمنية التي تقلد فيها المفتي أمين الحسيني الزعامة الفلسطينية قبيل النكبة.. تلك الحقبة التي شابتها جدليات متناقضة حتى التطرف؛ بين نفر يخوّن المفتي و يحمله وزر كثير مما آلت إليه المأساة الفلسطينية فيما آخر يمجده ويسبغ عليه هالة القائد المتفاني.

المدنية- البرجوازية الفلسطينية حين تؤرخ لحقبة ما قبل النكبة.. لعل ذلك هو التوصيف الأدق لكتاب البيطار الذي تتبع من خلال فصوله ما أطلق عليه "تاريخ ما أهمله التاريخ"، فيما هو في واقع الأمر صب جل جهده و اهتمامه على تحليل تلك المرحلة التي كانت تمسك فيها الفئة المدنية- البرجوازية الفلسطينية بمقاليد الحكم الفلسطيني، تحت ظل العثمانيين، فالانتداب البريطاني.

البيطار، الذي اختار لكتابه العنوان الآنف مؤثِراً أن يستخدم مصطلح القضية لليهودية و المسألة للفلسطينية مبررا ذلك بأن الشعب الفلسطيني لديه حقوق مغتصبة و بالتالي فهي مسألة فلسطينية حينها و ليست قضية، جعل من الطابع الشخصي السمة المهيمنة على الكتاب من خلال إفراده صفحات عدة في مقدمة الكتاب و خاتمته لرثاء والده وعمه، ولسوق العتب تارة على تجاهل الموسوعة الفلسطينية لبطولات عائلته والإسهاب تارة أخرى في شرح تلك البطولات والرؤى التي استشرفت مسار القضية الفلسطينية منذ ما قبل النكبة.

وفي الوقت الذي دعّم فيه البيطار كتابه بمقالات ووثائق مهمة استقاها من مصادرها إبان رحلة بحثه في القضية الفلسطينية، ولعل من أهمها مقالة الأميركي والتر ت. ستايس المنشورة في العام 1947 في"أتلانتك منثلي" التي جاءت تحت عنوان "الأخدوعة الصهيونية"، فإنه على الطرف النقيض خرج بنتائج لا تعدو كونها انطباعات شخصية بحتة لا تخلو من إجحاف جلي، ولعل منها عبارته "والجدير بالذكر بأن الريف الفلسطيني سيطر على مجريات الأمور منذ العام 1948 فصاعدا وانفرد بسياسته فكان نصيبنا المؤلم من الكوارث والنكبات فادحا".

تلك النتيجة التي خرج بها البيطار تفتح المجال واسعا لتفنيد الادعاء الآنف، ولعل القاعدة الأولى في الرد على ذلك هي الحرص على الوحدة الوطنية لا العزف على أوتار الفرقة التي زرعها الانتداب البريطاني منذ ذلك الحين بين أهالي الريف والمدن الفلسطينية.. اليوم نبحث كفلسطينيين عن عوامل جمع لا تفرقة، فخلافات حركتي فتح وحماس تكفي الشعب الفلسطيني، من غير أن يُنبش على قضية قديمة وهي جدلية الريف- المدينة الذائعة الصيت في المجتمع الفلسطيني. إلى جانب أن من ضاعت فلسطين في عهدهم هم القيادات المدنية لا الريفية التي يرى البيطار أنها جرت النكبات، بل الريفية هي من تسعى حتى اليوم لإصلاح ما اقترفته القيادات المدنية من أخطاء، عدا عن تحملها أعباء المخيمات والثورة والمقاومة المسلحة، فيما جل الشريحة المدنية- البرجوازية الفلسطينية ترقب المأساة عن بعد من قصورها في لندن وجنيف وفينا، معاتبة في الوقت ذاته بأنها لم تعد ممسكة بزمام القرار الفلسطيني كما كان الحال إبان العهد العثماني والانتداب البريطاني !

ضبابية اعترت محاولة تحليل القارئ لموقف البيطار من المقاومة والثو

المزيد


فدائيو فلسطين يناجون زمن العمل المسلح ويغرقون في دوامة الجوع والمرض

أيلول 8th, 2009 كتبها رشا عبدالله سلامة نشر في , غير مصنف

 

 
رشا عبدالله سلامة
 
  لربما كانت أحلاما وردية، تلك التي داعبت مخيلة وآمال فدائيي فلسطين ومناضليها القدامى، عندما كانوا يرددون إبان أيام ثورتهم أغنية "وردة لجريح الثورة"؛ إذ لم يدر بخلدهم أن أياما باهتة ستتلاحق عليهم يغرقون فيها بفقر مدقع وإهمال فظ، يشتهون فيها كسرة خبز، لا ترف الوردة كما كانوا يغنون.
 
كان الفدائيون هم وقود الثورة الفلسطينية في بقاع المنفى منذ مطلع ستينيات القرن المنصرم، حتى صرخ فيهم الشاعر الراحل محمود درويش عبر أبياته "كم مرة تتفتح الزهرة؟ كم مرة ستهاجر الثورة؟"، ليختار الرئيس الراحل ياسر عرفات بعد رحلة الثورة المضنية تلك أن يحط رحاله في بقايا فلسطين التي قضمها الاحتلال الإسرائيلي، على أن تخمد الثورة ويُدشّن عصر السلام.
 
عقود مرت على فدائيي فلسطين ومناضليها، ليغدو في خريف العمر من كان في ذلك الحين شابا يافعا، ولتتضاعف متطلبات معيشته وعلاجه، فيما المبلغ الرمزي الذي يتقاضاه من منظمة التحرير الفلسطينية ما يزال يراوح مكانه منذ عهد الثورة وجراحاتها.
  
في الأعوام الخمسة الأخيرة، تقلدت الفدائية تيريز هلسة منصب رئيسة جرحى فلسطين في الأردن والشتات، بمعاونة رفيقها المناضل نسيم عودة، لتغدو حياة كليهما مكرسة لخدمة ورفع سوية معيشة أولئك الفدائيين والجرحى الذين فقد جلهم من الصحة الجسدية والنفسية ما يؤهله للمضي في حياته من جديد.
 
و تماما كما هو حال الأيام الأخيرة من كل شهر، تمضي هلسة وعودة لكثير من الفدائيين الذين أقعدتهم صحتهم عاجزين عن القدوم لمقر منظمة التحرير في جبل الحسين لاستلام رواتبهم، يمضيان في نهارات طويلة إلى حيث يسكن كثيرين منهم في مخيمات اللجوء أو على أطرافها…
 
في أحد تلك الأيام المشارفة على ذكرى النكبة الواحدة والستين، يممت وجهها وعودة شطر منطقة الرصيّفة في عمان الشرقية، لتفقد أحد المنضالين المعروفين في الأوساط الإسرائيلية، فيما يلف سيرته النسيان في الأوساط الفلسطينية والعربية.
 
في جنبات ذلك البيت المتواضع، يجلس هناك على فراشه الرث، فيما يغطي عينيه المفقوأتين بنظارة سميكة سوداء منذ أربعين عاما، بينما تصدح من جهاز التسجيل بجانبه أغنيات وطنية منهكة من تقادم السنين عليها.
 
لا يرضى على الإطلاق استقبال الإعلام، إذ لطالما كان يبوح لرفاقه بقناعته أن عمليته الفدائية ليست مادة إعلامية، بل واجب وطني لا يستحق عليه شكرا. لذا، كان لزاما أن يبقى اسمه طي الكتمان بعدما تم إخفاء هويتي كصحفية عنه.
 
يتحدث بعفوية تجللها ابتسامة وتفاؤل رغم آلام تجربته النضالية، وعيشه وحيدا في منزل والديه.. متعلق بالزراعة وكأنما هو يسعى لاستحضار خضرة قريته الخليلية حلحول.. بخطواته المثقلة من آثار الرصاص في قدميه، يتكئ على عكازته المهترئة، وعلى جوانب الجدران، حتى يصل للفول و"الحويرة" والبازيلاء والدوالي التي يتفنن في زراعتها و الاعتناء بها.
 
مجموعة فدائية فلسطينية، هي ما اعتقد جنود الاحتلال في شهر أكتوبر من العام 1969 أنها هاجمتهم، ليتبين لاحقا أنه ليس إلا فدائي واحد يمتلك من القوة والذكاء ما يكفي لمهاجمة دورية إسرائيلية وإيقاع خسائر بشرية ومادية بها، لا باستخدام دروع وأسلحة متطورة، بل ببندقية ظل مصمما على إطلاق النيران منها حتى نفدت ذخيرتها، كما ظل محتضنا إياها حتى بعد أن أصيب جميع جسده بالرصاص وبعد أن ألقي القبض عليه.
 
وقف بعدها القائد العسكري الإسرائيلي موشيه دايان لتأدية التحية العسكرية للفدائي، قائلا حسبما تداولته الأوساط الحربية والإعلامية الإسرائيلية حينها "كم نحن بحاجة لمن هم في مثل جرأة وشجاعة هذا الرجل"، ولِيُزجّ بعدها في المعتقلات الإسرائيلية، حتى تم إخلاء سبيله عبر عملية لتبادل الأسرى.
 
كان ذلك بحسب تيريز وعودة اللذان يعرفانه وباقي رفاقهم جيدا، فيما هو وكأنما استشعر بأن تحقيقا صحفيا يحاك في الخفاء، ظل صامتا معظم الحديث، متحاشيا أن ينبس ببنت شفة عن عمليته الفدائية، مكتفيا بقول "عندما كنا نخرج للعمل الفدائي لم نكن نتطلع للقشور أبدا.. لم نكن نريد غير الاستشهاد".
 
يتحدث عن الطفل فارس عودة، الذي صوّرته كاميرات وكالات الأنباء العالمية بينما هو يتصدى لمدرعة إسرائيلية بالحجارة إبان الانتفاضة الفلسطينية الأخيرة، وكأنما هو يراه بقلبه لا بعينيه المفقوأتين.
 
 يبستم بمرارة و بلا تعقيب عندما تقول له هلسة بأنها شَكَت لأحد المسؤولين الفلسطينيين من شظف عيش الفدائيين وعدم تلبية المبغ الرمزي الذي يتقاضونه لاحتياجاتهم، ليجيبها المسؤول حينها "خلي الفدائيين ياكلو عدس"..
 
عند باب حاكورته المتواضعة، يصر على توديع ضيوفه، برغم صعوبة سيره، بينما يبتسم لهم حتى يمضوا بعيدا، وكأنما هو يبصرهم..
 
الوجهة الثانية كانت نحو الفدائي عبد القادر الم

المزيد


القدس تمهر اليافطات التجارية تخليدا لزهرة المدائن (المادة التي شَطَبَت جريدة الغد اسمي عنها دوناً عن باقي الصحف العربية التي نَشَرَتها

أيلول 3rd, 2009 كتبها رشا عبدالله سلامة نشر في , غير مصنف

 
رشا عبدالله سلامة

   هي أور سالم ويبوس وإيلياء وأنتوخيا وإريانة.. وبيت المقدس والقدس الشريف.. مزيج لغوي من الكنعانية والرومانية واليونانية والعربية للبقعة الجغرافية ذاتها التي لم يهدأ رحى الصراع عليها يوما.. إنها مدينة القدس الفلسطينية.. وبالقدر الذي خلدت فيه الوثائق التاريخية المُنصفة أسماء القدس الرازحة تحت الاحتلال، فإن كثيرين انساب معهم اسم القدس بعفوية وشجن، فغدا اسما لتجارتهم وعملهم اليومي الذي يذكّرهم كل حين بحقهم الأبدي في المدينة المقدسة.

مداولات طويلة تلك التي سبقت تسمية «حلويات القدس»، بحسب أحد المسؤولين في المشروع محمد القواسمة: «في عام 1969 اجتمع الشركاء في المشروع، ودار بينهم الجدل قبيل إطلاقه حول التسمية؛ فمنهم من قال بتسميته «الأقصى» ومنهم من قال «القدس»، حُسم الجدل باختيار اسم القدس لكونها قدس الديانات والحضارات والأجناس كلها» وفق القواسمة، لتظل التسمية حتى اليوم فوق يافطات المشروع كلها.

عبدالغفار الدرة أحد الإداريين في سلسلة «مطاعم القدس»، البالغة الشهرة في الأردن، يقول عن افتتاح الفرع الأول في عام 1969 أيضاً «أُطلق اسم القدس على مشروعنا لأن تلك المدينة عزيزة وغالية على الجميع؛ فالكل يشعر تجاهها بالحب».

كما جاءت تسمية سلسلة المطاعم بهذا الاسم في أعقاب نكسة 1967 التي ضاعت معها القدس الشرقية والحرم المقدسي، ما دفع في اتجاه إطلاق اسمها على ما أمكن من مشاريع ومحال «كي تبقى حاضرة في الأذهان والوجدان»، بحسب الدرة، الذي أردف «حاولنا ضمن إمكاناتنا وظروفنا أن نقدم شيئا للقدس، فكانت التسمية».

مشاريع كثيرة تُسبغ عليها أسماء المدينة المقدسة، كتسمية «زهرة المدائن»، التي اختارها ضرار أبو غزالة لصيدليته عندما افتتحها في عام 1987 على وقع الانتفاضة الفلسطينية الأولى في الأرض المحتلة. يقول أبو غزالة «أؤمن بأن أسماء القدس مثلما هي عامة للطوائف والحضارات كلها، فإنها لا ترتبط بتوقيت ولا تتزامن مع ذكرى بعينها فقط؛ فهي مدينة الأزمان والأحداث كلها».

كثيرون سعوا لإقناع أبو غزالة بأن يسمي مشروعه باسمه هو، بيد أنه صمم على إطلاق «صيدلية زهرة المدائن» عليها؛ لقناعته بأن ذلك يمثل «أضعف الإيمان» في دعم القضية الفلسطينية وتخليد اسم القدس.

على الصعيد الآخر، فإن تأسيس «مدرسة زهرة المدائن» الذي تزامن مع حادثة إحراق المسجد الأقصى على يد متطرف صهيوني في عام 196

المزيد


وُلِدتُ هناك.. وُلِدتُ هنا: مريد البرغوثي بين الوطن والمنفى

أغسطس 28th, 2009 كتبها رشا عبدالله سلامة نشر في , غير مصنف

 
رشا عبدالله سلامة

   ذات الشجن والأصالة التي حاك فيها قصيدته "رنة الإبرة".. وذات نزيز دم الجرح في رائعته "صيحة إلى الموت".. وذات الظرافة والألمعية التي لوّنت كلماته عندما كتب "غمزة".. وذات القيافة والبساطة والطباع الفلاحية الأصيلة التي تهيمن على حضوره أينما حل.. كل ذلك، امتزج ببداعة وبراعة ليست بالغريبة البتة عن نتاج الشاعر والأديب الفلسطيني مريد البرغوثي، منذ دارت طواحين شعره في السبعينيات من القرن المنصرم، حتى إصداره كتابه النثري مؤخرا "وُلدت هناك.. وُلدت هنا".

البرغوثي الذي تحدث عن زيارته للوطن المحتل بعد عقود من التنقل بين المنافي، في كتابه السابق "رأيت رام الله"، أراد أن يحيط بقلمه بجلّ ما تبقى من إرهاصات الاحتلال وتبعاته ومآسيه التي يقذفها الإسرائيليون يوميا ألغاما في مخدع كل فلسطيني في الوطن المحتل، وكذلك المنفى.. فكان كتابه "وُلِدتُ هناك.. وُلِدتُ هنا"، والذي زاوج فيه بين السيرة الذاتية وأدب الرحلات الشيق والمراجعة النقدية لكل ما يتراءى أمام عينيه ويعتمل في ذهنه من معنى أو فكرة تنصهر في بوتقة فلسطين.

مريد ارتكز في كتابه على ثلاثة محاور أساسية ناقشها بإسهاب وتداخل، أولها التبرؤ التام من السلطة الوطنية الفلسطينية التي كاشفها في سطوره بفسادها المستفحل، معززا الفكرة التي لطالما تحدث عنها مليا المفكر الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد تحت عنوان "المثقف والسلطة" وإن كان إدوارد يقصد السلطة عموما و ليس الفلسطينية فقط، تماما كما عرّج مريد على اصطدامه مع السلطات المصرية وليس السلطة الفلسطينية فحسب. المحور الثاني كان مناقشة ظاهرة الصحوة الدينية التي استشرت في عموم الوطن العربي بطريقة هي أقرب للتخبط منها للوعي، مدعما قوله بمشاهدات شخصية قارن بينها وبين مشاهداته أيام المد اليساري، ليكون المحور الثالث هو الحديث عن ابنه الشاعر تميم من ناحيتين: الأولى أبوية بحتة والثانية مهنية.

يقول مريد فيما يتعلق بالمحور الأول "هذه السلطة تسير، وأحيانا تركض ركضا نشيطا مخلصا متفانيا، خلف الوعد المفخخ، لكنها تتعرقل بذيل سروالها وتكبو مع كل خطوة. عندما تقوم من كبوتها وتحاول استئناف سيرها وسيرتها، تجد أنها ابتعدت عن الناس واستخفت باحتياجاتهم الصغيرة والملحة، وأصبحت في واد غير واديهم، وفقدت السيطرة على أعوانها ومؤيديها".

مريد أطلق في كتابه على فاسدي السلطة اسما تهكميا هو "نامق التيجاني" الذي يجمعه
قائلا "النوامق"، فيقول عنهم وعن خلافه الذي استشرى مع السلطة عندما قرر العمل في رام الله "تسلمت عملي في المؤسسة. رأيت النامق وأفعاله رأي العين. لا حاجة لي بالخوض في التفاصيل، فالنامق هو التفاصيل. النامق هو الباقي المستمر لأن النامق صاغ نفسه على هوى السلطة، والسلطة صاغت النامق على هواها. نوامق العائدين من تونس فتشوا عن نوامق المقيمين ومدوا لهم اليد والفرص والمكاسب فتشكل الحلف الذي هو آخر ما يلزم لحركة تحرر ……. وضعت على طاولة المشرف المالي على المشروع كومة الفواتير المزورة أو المشبوهة وطلبت اتخاذ إجراء بحق المستفيدين منها. فجاءتني نصيحته بتوقيعها ليتم صرفها. قدمت استقالتي فرُفِضَت وطلبت عقد اجتماع قلت فيه: أنا أضعف شخص في هذا الاجتماع، أنا بلا حزب وبلا فصيل وبلا يد تحميني في ما تسمونه الحكومة وبلا شلة تناصرني في أي مكان لكنني أملك هذا ورفعت قلمي بيدي اليمنى عاليا أمام عيني".

ويسرد البرغوثي المزيد والمزيد عن فساد السلطة وأخطاء ياسر عرفات من وجهة نظره، رغم مصارحة قارئه بالظروف القاسية التي كان يمر بها عرفات بسبب تآمر الكيان الإسرائيلي وبعض الأنظمة العربية عليه وتحديدا إبان حصار مقره في "المقاطعة"، كما يتحدث عن تسلمه جائزة فلسطينية في رام الله وبنفس الوقت إصراره على انتقاد السلطة الفلسطينية على نفس المنصة التي تسلم جائزته عليها.

ما بين قاهرة الستينيات والسبعينيات (وهو الأمر ذاته المنسحب على باقي العواصم العربية) التي كانت تضج حينها بمظاهر الحياة المتأثرة إلى حد كبير بالمد اليساري ونداءات الثورة والحرية، وما بين المجتعمات الراهنة التي تكتسحها الصحوة الدينية بدءا من مظاهر التدين الجماعي، كما وصفها مريد، و ليس انتهاء بارتداء معظم النساء الحجاب والنقاب الذي يشك الناظر إليه بأن ظاهرته مستمدة من قناعات فكرية ناضجة أو فلسفية، ما بين هذه وتلك، يسهب مريد في الحديث عن الفروق والمظاهر الدالة على التوجهات المتباينة. يفسر مريد حادثتين مرّتا به شخصيا. الأولى عندما كان خاله يحتضر، وإذ ببنات خاله يحاولن بصعوبة دس سماعة مسجل في أذن والدهن ليسمعنه آيات من القرآن، ليكون الموقف الثاني عندما لم يتمكن من الوصول لأي مسعف أثناء رقود زوجته الأديبة المصرية رضوى عاشور بحالة حرجة في المستشفى لأن الكل مصطف في ممر المستشفى للصلاة جماعة.. يقول "لم يعد الكتاب مصدرا للمعرفة عند كثير من الناس في عصر الفضائيات، والفضائيات العربية محتلة بالوعاظ والدعاة ومحترفي الفتوى والتلفزيون أصبح عنوان الحقيقة، لكن هذا وحده لا يفسر الظاهرة. المؤكد أن الانقلاب الاجتماعي أصبح جماعيا في كل بلاد العرب".

تميم الابن تداخل لدى مريد بتميم الشاعر، في صورة هي الأكثر قربا لتحمس السيدة فيروز لمهنية ابنها زياد الرحباني إ

المزيد


مثالب توثيق مرحلة السلام الفلسطينية- الإسرائيلية: بسام أبو شريف أنموذجاً

أغسطس 19th, 2009 كتبها رشا عبدالله سلامة نشر في , غير مصنف

 
رشا عبدالله سلامة
 
سيل عارم من الشهادات والروايات والخفايا تلك التي أغرق ومايزال المناضل الفلسطيني السابق بسام أبو شريف الجمهور الفلسطيني والعالمي بها.. كتب ومذكرات وحوارات وبرامج تُفرد مساحات واسعة لإدلاءات أبو شريف التي لا تتوقف، رغم وفاة عماد هذه المذكرات "البسّامية"، إن صح التعبير، الرئيس الراحل ياسر عرفات.
 
ومثلما هي الجدلية والضبابية بين رحلتيّ الثورة فالسلام الفلسطيني- الإسرائيلي، فإن ذات الضبابية والجدلية تكتنف المشهد "البسامي"؛ فتارة هو يصفق ويهتف للثورة والكفاح المسلح إلى حد محاولة الاغتيال الإسرائيلية له في بيروت ما أدى لفقدانه إحدى عينيه وترك تشوهات في وجهه، إلى لعب دور كبير مهندسي عملية السلام الفلسطينية- الإسرائيلية. كذلك في قفزه من موقعه كعضو في حركة القوميين العرب والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، إلى مستشار للرئيس الراحل ياسر عرفات، برغم الهوة التي تفصل بين موقف الجبهة والموقف "العرفاتي"! وبذا، فإنه لم يسق للقارئ أو المشاهد الحد الفاصل الذي تبدلت فيه المرحلة الثورية الأولى لديه بالمرحلة "السلامية" الثانية، بل هو في مرات ذهب للتصفيق والهتاف لكلتا المرحلتين معاً !
 
رجال كثر في صفوف الثورة الفلسطينية مشوا في الطريق "العرفاتي" نحو السلام، بتزامن ولو مبطن مع خروج المقاومة الفلسطينية من لبنان والذي كان سببه التضييق العربي والعالمي على الثورة والبطش الإسرائيلي بها، غير أن أحدا منهم تقريبا لاسيما أولئك الذين كان لهم الباع الأطول في الكفاح المسلح، أحدا منهم لم يسوّق نفسه مثلما سوّق أبو شريف ذاته كواحد من أبرز مهندسي عملية السلام، إلى حد نسب فيه لنفسه انتزاع اعتراف كثير من دول العالم بمنظمة التحرير الفلسطينية كطرف في عملية السلام المزمعة، وإلى حد أسهب فيه في شرح أمجاد المقالة التي كان كتبها ذات مرة في إحدى الجرائد الغربية عن فكرة "حل الدولتين"، إسهابا هو أقرب للتغني بإنجاز وسبق شخصي وتحديدا عند تطرقه لردود الأفعال العالمية والفلسطينية حيالها، رغم أنه من الطريف أن هذا التمجيد لم يملك في نهاية كتب المذكرات والحوارات والبرامج إلا أن يصطدم باعتراف، أبو شريف وغيره، أن اتفاق أوسلو كان خدعة، وبأنه لم يعط الفلسطينيين تقريبا أي شيء من حقوقهم المنتظرة.
 
بسام أبو شريف إعلامي محنك ومحترف، ويملك من الثقافة القدر المذهل، إلى جانب إلمامه الجليّ بجوانب اللغة وتعقيداتها، عدا عن صفاته الشخصية التي من السهولة بمكان التقاطها من كتاباته وحواراته كسرعة بديهته وذكائه الحاذ

المزيد


“ذكريات من القدس”: سيرين الحسيني تستحضر الوطن والمنفى

أغسطس 1st, 2009 كتبها رشا عبدالله سلامة نشر في , غير مصنف

 
رشا عبدالله سلامة

"في بعض الأيام يثقل الماضي كثيرا على القلب.. لكنني أعاود الاستغراق فيه وأتذكر".. بهذه الكلمات الحميمية اختارت الفلسطينية سيرين الحسيني شهيد أن تمهر كتاب مذكراتها الذي صدر مؤخرا "ذكريات من القدس"، مثلما اختار المفكر الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد الكلمات ذاتها ليسلط الضوء عليها عندما قدّم للكتاب.

"ذكريات من القدس" ضم فصولا خفيفة لا تثقل على القارئ؛ لطابعها الدافئ والبعيد كل البعد عن التوثيق الأكاديمي الصرف لحقبة عيش الفلسطينيين على أرضهم تحت الاحتلال التركي فالبريطاني، ومن ثم رحلة الشتات بحضور الاحتلال الصهيوني. النقطة الآنفة أشارت إليها أيضا محررة الكتاب جين سعيد مقدسي، عندما ذكرت في المقدمة بأن الكتابات الأكاديمية والتوثيقية لحياة الفلسطينيين قبل النكبة كانت "تطرح الماضي مجردا"، فيما تغيب عنها "أصوات وروائح وصور وملابس ومشاهد منزلية وحدائق وأغنيات ورقصات"، كتلك التي يحفل بها كتاب سيرين. الأمر ذاته، تحدث عنه إدوارد عندما قال إن في ذكريات سيرين "رعاة وطباخين وأساتذة وأعماما وخالات وأبناء عم وفلاحين وإخوانا وأخوات ورفاق مدرسة وبستانيين و…. أشياء عزيزة على النفس وأمكنة ولحظات… استولت عليها إسرائيل وحولتها إلى ممتلكات أجنبية أو حطمتها بكل بساطة".

سيرين استهلت كتابها، الذي تُرجم بركاكة عن الإنجليزية والفرنسية إلى العربية، والذي تخلله صور موثقة بتواريخها وأمكنتها لعائلتها التي تعد واحدة من كبريات عائلات فلسطين العريقة، استهلته بقصة ما تزال رطبة في ذاكرتها رغم سنوات عمرها الغضة حينها، تقول "كان أبي جالسا على طرف السرير مرتديا قميصه وبنطلونه وهو بصدد انتعال حذائه … فأخذت وأنا منكبة على حذائه، أترجاه ألا يخرج وأن يظل معي لنلعب في البيت … رفعني من على الأرض ووضعني على ركبتيه: اسمعي، قال وهو ينظر مباشرة في عيني، يجب أن أنجز أشياء مهمة. وسألني عندئذ إذا كنت أتذكر بعد ذلك اليوم، في أريحا، عندما شاهدنا عائلات للاجئين أرمن … هل تذكرين أني شرحت لك أنهم كانوا يبحثون عن ملجأ؟ ألم نحس معا بالأسى من أجلهم لأنهم طردوا من ديارهم وبلدهم؟ صمت لحظة قبل أن يتابع: إذا نحن الفلسطينيين لم نعمل بكل قوانا، فسيكون علينا قريبا أن نجوب العالم بحثا عن ملجأ و … توقف فجأة. كان وجهه متشنجا من الانفعالات ولمحت دموعا في عينيه. ابتعدت عنه منزلقة من فوق ركبتيه وخرجت جارية من الغرفة. لم أكن أطيق أن أرى أبي وهو يبكي".

والد سيرين، التي أبصرت النور في القدس العام 1920، كان ناشطا سياسيا ضد الوجود البريطاني على أرض فلسطين، ما تسبب في فراره وعائلته من البطش إثر ثورة 1936، أي قبل أن يعرف عموم الشعب الفلسطيني طريقه نحو اللجوء الرسمي في العام 1948. ولعل من أكثر العبارات التي شفّت ألما عميقا لدى سيرين قولها عن وفاة جدتها التي رحلت معهم من القدس إلى بيروت ثم إلى بغداد لتموت في طريق عودتها من بغداد إلى القدس "لم نعِ في ذلك الحين أهمية ذلك الحدث، إذ إن جدتي كانت أول شخص يموت من عائلتنا خارج الوطن. مرت سنون على موتها، إلا أنني ما أزال أفكر في روح جدتي وهي هائمة وسط ذلك الامتداد الصحراوي الشاسع، بعيدة، جد بعيدة عن بيتها".

رحلة المنفى التي دخلت سيرين في غياهبها منذ ذلك الحين، لم تختلف في إرهاصاتها النفسية في شيء عن رحلة عموم اللاجئين الفلسطينيين، برغم فرادتها بالنسبة لعائلة سيرين وباقي العائلات الفلسطينية البرجوازية والتي استقرت عند لجوئها في فنادق أو شقق ذات حالة جيدة وليس في تجمعات في العراء غدت فيما بعد مخيمات لجوء لعموم الشعب الفلسطيني. برغم ذلك تقول "لم نفهم بطبيعة الحال، فورا، أن هناك حياة جديدة تبدأ بالنسبة لنا غداة وصولنا إلى بيروت. كنا قد اجتزنا الحد القدري بين حياتنا في القدس وحياة المنفى؛ إلا أنه كان يلزمنا عدة عقود حتى نتنبه حقيقة إلى ذلك. في التو، لم نكن نعتبر ذلك السفر سوى مضايقة قصيرة الأمد، وكنا متأكدين من عودتنا القريبة إلى القدس". كذلك هو الحال، في سوق سيرين قصة خالها موسى العلمي، الذي كان تخرج من جامعة كامبريدج في أوائل القرن المنصرم، ليجترح معجزة تنموية في غور الأردن عقب تشريده كباقي أبناء شعبه، لتبرهن سيرين أن الفلسطيني على اختلاف خلفيته الثقافية ومؤهلاته العلمية من شأنه دوما أن يثبت استحقاقه للحياة أينما حل ومهما حاق به.

روايات وأحاديث كثيرة استحضرتها سيرين وساقتها للقارئ، وكأنما هي "تفضفض" بها عن ذاكرتها بعد كل تلك السنين، ما جعلني أفضّل سوق مقتطفات منها؛ إذ تكفي كلماتها التي تصف مشاعرها للتعبير عن واقع المأساة الفلسطينية التي ما تزال قائمة ومستفحلة حتى اليوم، ولعل من رواياتها المؤثرة والمعبرة بعمق تلك التي تتحدث بها عن أم عابد الأرملة التي أفنت عمرها لتربية وحيدها اليتيم، والذي التحق بثوار الثلاثينيات ليعود إلى القرية جثة هامدة يجوب بها الإنجليز القرى الفلسطينية للتعرف إلى هوية صاحبها و بالتالي نسف قريته برمتها، ما حداها لإخفاء حقيقة أمومتها رغم انهيارها عندما تعرفت إلى ملامحه.

قصة أخرى آثرت سيرين اقتسامها مع القارئ وهي قصة إحدى النسوة المقدسيات (أم علي) والتي هُجِرت من القدس إلى أريحا، تقول "في آخر أيامها فقدت أم علي كل إحساس بالواقع ولم تعد تشغلها سوى فكرة واحدة: أن تعود إلى بيتها. انطلقت في الطريق عدة مرات غير مترددة في إنجاز السفر وحدها، لكن أناسا كانوا يعثرون عليها بسرعة ويعيدونها إلى أريحا. إلى أن كان هربها الأخير، فعثروا عليها ميتة مسجاة داخل أزقة القدس القديمة".

القدس كانت محور حياة سيرين كما باقي الفلسطينيين والمقدسيين منهم تحديدا، تصفها كثيرا في طيات كتابها، بيد أن الوصف الذي يمسك بيد القارئ ليصحبه هناك حيث أزقة القدس القديمة، قولها "كنت أجدني وسط فضاء شاسع يقود إلى الدرجات التي تنزل إلى قلب المدينة القديمة. هناك، كانت بلاطات الشوارع ملساء، متقادمة من أثر خطوات جميع الذين وطئوها على مر القرون. دائما كانت هناك حشود في المدينة القديمة. شيوخ، رهبان، حاخامات… وكانت هناك فلاحات من القرى المجاورة جئن لبيع منتوجاتهن في السوق ويحملن على رؤوسهن سلالا مضفورة ممتلئة بالفواكه والخضر وهن يضعن يدا على الخصر والأخرى فوق السلة في توازن عجيب. وكانت تنوراتهن الطويلة السوداء المزينة بتطريزات معقدة ذات موتيفات متميزة حمراء وخضراء ووردية، وشالاتهن الطويلة البيضاء المطرزة تتهاوى بلطافة عند كل خطوة، بينما رؤوسهن المثقلة بحملها تظل مستقيمة تماما".

الوصف الآنف، من شأنه على بساطته وبداعته إعادة تذكير العالم بسماحة فلسطين وحضارتها التي كان من أهم ميزاتها صهر الخلفيات والديانات كلها في بوتقة إنسانية واحدة وتحديدا في مدينة القدس بعكس ما تروج له أكاذيب الصهيونية من اضطهاد اليهود، إلى جانب أن من شأن إسهاب سيرين في وصف الفلاحات إذابة للحساسيات المسبقة التي رسخها الاحتلال الإنجليزي ومن قبله الأتراك بين أهالي المدن والقرى الفلسطينية، ولعل القصة التي تدمي ال

المزيد


جدليات عادل إمام تعود للشاشة في فيلمه “بوبوس”

أغسطس 1st, 2009 كتبها رشا عبدالله سلامة نشر في , غير مصنف

 
رشا عبدالله سلامة

ثالوث قديم لازم أعمال الممثل المصري عادل إمام مذ ولج عالم الشهرة من أوسع أبوابه؛ القضية الجادة والتي غالبا ما تكون قضية العام والتنفيس عن الجمهور من خلال الانتقاد المبطن للأنظمة العربية والأفيهات والقفشات الجريئة والدينية التي باتت متداولة عنه.

ثالوث آخر بدّله إمام منذ نهاية عقد التسعينيات وحتى اليوم، النطق باسم الفئة الكادحة المسحوقة والذي غدا نطقا باسم البرجوازية مع إعطاء شذرات مقتضبة عن الكادحين، والتبسط مع الجمهور والإعلاميين لسماع انتقاداتهم قبل إشاداتهم ليصار إلى تعاطٍ فوقي على صعيد التصريحات والعصبية في التعامل مع ملاحظات النقاد وأسئلة الصحفيين، فيما الانقلاب الثالث طال النَفَس الثوري الذي لطالما تحلى به إمام عندما كسر حصار بيروت في العام 1982 ومن خلال أعمال له كدموع في عيون وقحة، ليغدو الآن متماهيا مع وجهات نظر النظام المصري التي أدانت المقاومة الفلسطينية وصورتها باللامجدية عازفة على وتر السلام.


وما بين الثوابت والمتغيرات لدى إمام، بقيت المثابرة والإصرار على تقديم عمل فني جديد لجمهوره كل عام، إلى جانب نَفَسه الطويل في العروض المسرحية ك "البودي غارد" التي يستمر عرضها للعام الحادي عشر على التوالي.

إمام اختار الأزمة الاقتصادية التي عصفت بالعالم خلال العام الجاري لتكون موضوع فيلمه الجديد "بوبوس"، والذي يتحدث عن رجل أعمال مصري يفقد ثروته جراء الأزمة فما يتبقى له غير اقتسام فيلا كان اشتراها قديما لنزواته، اقتسامها مع أرملة صديقه التي تؤدي دورها الممثلة يسرا.

و كسعي إمام الدؤوب في لملمة أكبر قدر من أطراف القضية التي يتناولها، عرّج على تفاصيل كثيرة تندرج تحت مظلة الأزمة الاقتصادية، وإن كان التعريح عليها أقرب لمبدأ "رفع العتب" منه إلى المناقشة الجادة والعميقة، كتطرقه لتأثر البروليتاريا بالأزمة، أو بالأحرى عيشهم في ظل أزمة اقتصادية على مدى الحياة، وكذلك فرار رجال الأعمال المصريين إلى لندن للاحتماء من ملاحقة البنوك والسلطات المصرية لهم بعد "تعسرهم" ماديا، مع وضع علامة استفهام على رؤوس الأموال التي لم تطلها الأزمة، ليتضح أن وراء ذلك شبهات كالتجارة في المخدرات، إلى جانب التطرق لأثر الأزمة على العلاقات الإنسانية والاجتماعية وحتى

المزيد


التالي