



رشا عبد الله سلامة
"انتبهي يا ستي.. هاذي فلسطين كطعت بأهلها وما خلّت منهم حدا".. بتلك الكلمات المتهدجة شجناً ودّعتني جدتي حين ولّيت وجهي شطر فلسطين..
كلماتها.. نظرات القلق في عيون والديّ.. وإرهاصات قضية "أسطول الحرية" التي كانت في اليوم الذي يسبق الزيارة.. كلها كانت زاد رحلة العودة إلى فلسطين، بعد عناقها الأول قبل عام ونيف..
مضت ساعات الصباح ثقيلة، حتى تكوّمت أجسادنا المتلهفة رهبة وقلقاً نحو الجسر.. كنت أنا ورفاق العودة.. هاشم الحمران وغسان السعدي وناصر التلاوي..
كان قيظ الأغوار أخف وطأة من لسعات انتظار وصول الحافلة التي تقلّ مشاركين، في الملتقى الثقافي التربوي الثالث الذي تعقده وزارة الثقافة الفلسطينية، من المخيمات الفلسطينية في لبنان وسوريا.
بعد طول شوق، لمن لم نعرفهم من قبل، وصلت الحافلة.. كانوا استقلّوها منذ منتصف الليل. الإرهاق والقلق كان يكسو وجوههم. كانوا أطفالا ويافعين في معظمهم. كنت أقترب منهم كل قليل لأتأمل ملامحهم. كنت أرنو لقراءة قصة كل منهم قبل دخولنا معا أرض فلسطين.
حورية.. السيدة المسؤولة عن فرقة الكوفية الفلسطينية القادمة من مخيم عين الحلوة في لبنان، كانت من أكثر من أثار شجوني.. برغم إنهاكها الظاهر، كانت تتنقّل بحنوّ بالغ لتمسّد شعور الأطفال القادمين معها، ولتمسح لهم وجوههم المصفرّة من وعثاء السفر ببقايا الماء في قارورتها البلاسيتيكية..
كان الوقت يجرجر ذاته بغطرسة وخيلاء أمام عيوننا، حتى انتصر عليه السعدي باحتضان عوده والغناء لفلسطين على بعد أمتار منها.
قبيل الغروب بقليل، تحركت الحافلة بوجلِ نحو نقطة العبور التي يتحكم فيها الجانب الإسرائيلي.
حافلات كثيرة كانت تقف دونما حراك. كل من فيها كانوا يحبسون أنفاسهم قلقاً. ما من أحد يُسمح له بإظهار امتعاضه أو حتى الاستفسار عن سبب التأخير.
حاجة كانت تمشي أمامي لم تجد بداً من نزع غطاء رأسها الأسود و"بكلتها" المعدنية، حين أرهقها المجند الإسرائيلي بطلبه المرور على الجهاز مرارا. كل ذلك كان يتم وسط التحايل الإسرائيلي المكشوف لاصطناع اللطف واللباقة على إثر فضيحة "أسطول الحرية".
حين فرغنا من نقطة التفتيش، غدونا كمن ينتعل حذاء سحريا ينقله بخفة الريح نحو فلسطين، برغم انتفاح أقدامنا من طول الانتظار والوقوف..
سرعة جنونية أقلتنا بها الحافلة نحو منظمي الملتقى الذي يترأسه إسماعيل التلاوي من اللجنة الوطنية الفلسطينية للتربية والثقافة والعلوم.
كانت فرقة الكوفية نسيت الإرهاق والإذلال كله بمجرد سماح الإسرائيليين لنا بدخول وطننا نحن.. نفخوا في"القربة" المزدانة بالكوفية والأعلام الفلسطينية وتراقصوا ودبكوا، لنتحلق جميعا من حولهم بين غناء وبكاء..
نحن الآن على أرض فلسطين..
نحو بلدية أريحا توجهنا.. المكان الذي يأخذ على عاتقه كفكفة الدموع الأولى لكل عائد إلى الوطن.. تدافعنا نحو مكتب الرئيس الراحل ياسر عرفات. كان المكتب الأول، لأول رئيس فلسطيني، في محاولة لبناء دولة فلسطينية قابلة للحياة للمرة الأولى. كان حجمه متواضعا. غرفة نوم ومكتب ومكان لعقد الاجتماعات في آن. عُلقت على الجدران صور أبو إياد.. أبو جهاد.. أبو الوليد.. وغيرهم كثيرون، ممن مضوا في الدرب الفلسطيني، لا يعلمون إلى أين سيصل بهم.. إلى ثورة حتى النصر كما كانوا يحلمون، أم إلى مغامرة سياسية على أمل استثمار الورقة الأخيرة لبناء دولة فلسطينية؟
انسحبت من لجة تساؤلاتي نحو المكان الذي بكيت فيه حين عانقت فلسطين المرة الأولى.. نحو حديقة البلدية التي كانت تتدثر بالليل الحالك.. كانت وجوه الفتية القادمين من المخيمات تتخلل دمعي.. ترى، حين كانوا يتراقصون ويدبكون ويحملون صورة أبو عمار لتقبيلها والسلام عليها في البلدية، أكانوا يدركون معنى الوطن والعودة إليه وتعقيدات الظرف السياسي برمّته؟
رام الله مدينة الغرباء. من يرنون لحياة أفضل وأكثر حداثة من المناطق الأخرى التابعة للسلطة الفلسطينية. مدينة للمغتربين الباحثين عن النمط الأقرب لحياتهم في المنفى. رام الله محاولة حثيثة ودؤوبة لرسم صورة دولة حقيقية، على الرغم من تآكل مقوّماتها يوما تلو يوم؛ بفعل الغدر الإسرائيلي الذي أخلف ما وعد به في "أوسلو".
اللهجة الفلاحية التي كنت أستمع إليها وأستخدمها على نطاق عائلي ضيق في المنفى، صارت تتناهى لمسمعي كسيمفونية أستجديها إن هي استبدلت وجودها باللهجة المدنية الموحدة.. كل من حولي يستخدمونها، في المركبات، في الفندق، في المحافل الرسمية، في "الدكانة".. في كل ركن من فلسطين..
الشجن كان أقسى من أن تختبر في حضرته اتفاقك مع سياسة أبو عمار، ومن بعده أبو مازن.. كان ذلك حين وقفنا قبالة ضريح الراحل وفي مقر المقاطعة.. كنت أعلم مسبقا حجم الرمزية التي يحظى بها أبو عمار لدى لاجئي لبنان. آواهم واحتضنهم وحدب عليهم بحنوّ وأبوة وأنفق الكثير لأجل حياة أفضل لهم، وحين رحل وثورته المسلحة بشرط تأمين الحماية للمخيمات الفلسطينية، توالت الفجائع.. وكانت صبرا وشاتيلا وكانت حرب المخيمات..
لا تملك حين تتأمل شعبك الفلسطيني سوى الإقرار بأننا جميعا، رعاة الثورة والسلام والمستقلين، كلنا ضحايا.. كل منا ضحية على طريقته الخاصة، تماما كما يترجم كل منا حبه لفلسطين على مذهب فكره المختلف عن الآخر.
كثيرون، في رام الله وقطاع غزة، ضاعوا وسط "الجعجعة" وصاروا يتعاملون مع فصيلهم كالفرقة الناجية، فيما الطرف المقابل ليس إلا غارقا في بحر الظلمات.. لتقف لدى تصريحاتهم ومشاعرهم ذاهلا.. كيف نسوا أننا جميعا لسنا إلا ضحايا؟
معركة فلسطينية من نوع آخر استمعنا إليها في جامعة القدس المفتوحة، التي استطاعت أن تفتح طاقة أمل للأسرى تحديدا كي يكملوا تعليمهم الجامعي. كان ذلك حين ناضلت الجامعة لانتزاع اعتراف مسابقة "أوراكل" الأميركية بوجود دولة فلسطين، التي كانت من ضمن الفائزين الأوائل على مستوى العالم.
كنا في الحافلة نتنقل من رام الله إلى قرى مقتسمة سلطتها بين الفلسطينيين والإسرائيليين، كقريتيّ بيت لقيا وبيت نوبا.
بلعين، التي تترجم كلمات الشاعر محمود درويش التي غدت "كليشيه" فلسطيني ينساب على ألسنة الشعب كله "على هذه الأرض ما يستحق الحياة".. تترجمها بلعين أسبوعيا حين تهرع نسوتها وصباياها ورجالها وشبّانها ومسنيها وأطفالها نحو نقطة التماس مع جنود الاحتلال. تارة يستحضرون شخصيات ترمز للحرية كمارتن لوثر كنغ والمهاتما غاندي، ليتمثلوا أعمالا فنية عالمية كشخصيات فيلم "آفاتار" تارة أخرى. يتحدّون الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي وحملات الاعتقال ودهم المنازل، يتحدّونها كل أسبوع عبر ابتكار فعاليات أكثر إبداعا وجدة مما سبقها..
كنا نستمع لشرح الدكتور راتب أبو رحمة، القائم على الفعاليات، بينما "الجيب" العسكري الإسرائيلي يقف متأهباً على التلة المقابلة لنا.. تحدّيناه وأهالي بلعين بالدبكات والكوفيات حتى مغرب الشمس..
حقائق كثيرة تهتدي إليها من دون سؤال.. منها وضع البنية التحتية في فلسطين. الطرقات المعبدة بشكل لائق هي واحدة من ثلاثة، إما تلك الرازحة تحت السيطرة الإسرائيلية، أو تلك التي يسلكها المستوطنون في الضفة الغربية، أو تلك التي تصل نحو هيئات السلطة الفلسطينية. عدا عن الاحتمالات الثلاثة الآنفة تنحدر سوية البنية التحتية حتى تصل إلى طرق ترابية مكوّم فيها الحصى في مرات كثيرة.
عيون الحرامية، كانت واحدة من النقاط الفلسطينية التي سمعت عنها قبل رؤيتها. تلة مرتفعة تعج بالأشجار الحرجية على طريق الشمال. قبل أعوام تخفّى فيها شاب فلسطيني من قرية سلواد، مستخدما بندقية إنجليزية قديمة لقنص أحد عشر مجندا إسرائيليا إلى جانب مستوطنين تواجدوا في تلك البقعة، وليُحكم عليه بعد طول عناء إسرائيلي في تعقّبه بأحد عشر حكما بالمؤبد.
الشمال الفلسطيني كان تجربة مختلفة عن المناطق الجنوبية كبيت لحم والخليل.. نابلس وبلدتها القديمة الناضحة بالعراقة.. طولكرم وهدوئها الوادع.. جنين وقراها المكسوّة بخضرة لا مثيل لها.. قلقيلية وأنين جمالها الواقع تحت سطوة المحتل الإسرائيلي الذي جعلها على خط النار مع الأراضي المحتلة في العام 1948.
في طولكرم تحديدا، التقينا بالمناضل العراقي قيس عبد الكريم (أبو ليلى).. المناضل الذي ربط مصيره بالثورة الفلسطينية والحلم الكنعاني. حمل البندقية مع من حملوها، وقاسى عذابات المنفى مع من قاسوها، وعاد مع من عادوا لأجل العمل على حلم الدولة الفلسطينية القابلة للحياة..
ليس أبو ليلى وحده من ربط مصيره بمستقبل الفلسطينيين الحالك، بل وكذلك وفاء.. اللبنانية التي كانت من بين القائمين على الفعالية.. لم تعلم ربما حين اقترنت بقصة حب جميلة على مقاعد الجامعة مع فدائي فلسطيني، بأنها ستغدو واحدة ممّن عاشوا حق العودة في أعقاب اتفاقية أوسلو. كذلك هي فردوس.. الصبية الفلسطينية التي عادت عقب عودة والدها الفدائي إلى فلسطين.. وفاء وفردوس تجسدان جانباً شديد الإيلام.. حين يغدو الوطن قاسيا في غربته كالمنفى.. كلتاهما عادتا مع العائلة الصغيرة التي لم يعد معها من أقاربها المنفيين في الشتات أحد، لتغدو الأعياد والأعراس محض غربة لا أنيس فيها.
مشارب عدة كانت تمثل أمامك طوال الرحلة، تماما كما اللهجات الفلسطينية الممتزجة بلكنات المنفى.. "سيكولوجيات" كثيرة تتماهى بألوان الطيف أمام عينيك.. فلسطينيو الضفة.. فلسطينيو غزة.. فلسطينيو الأراضي المحتلة في العام 1948.. فلسطينيو الشتات العربي.. فلسطينيو الشتات الأوروبي.. فلسطينيو الشتات الأميركي.. تقسيمات بالغة القسوة، لا يمكن بأي حال إنكار تجذّرها في الوعي السياسي والثقافي والإنساني.
كثيرون هم من طبعوا بكلماتهم ودموعهم قصصا لا تُنسى.. إبراهيم القادم من مخيم عين الحلوة، والذي جاء خبر ميلاد ابنه الأول ونحن في قلقيلية ليسميه على اسم رفيقه الشهيد جاد.. فلسطين التي كان من المفترض تواجدها معنا ضمن الوفد، غير أن ولادتها ليلة السفر حالت دون القدوم.. نانسي الصبية الفلسطينية الجميلة القادمة من صبرا وشاتيلا، والتي ما انفكت تدبك وتنثر ضحكاتها ومرحها طوال الرحلة تماما كما دموع
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ