فدائيو فلسطين يناجون زمن العمل المسلح ويغرقون في دوامة الجوع والمرض
كتبهارشا عبدالله سلامة ، في 8 أيلول 2009 الساعة: 13:55 م
رشا عبدالله سلامة
لربما كانت أحلاما وردية، تلك التي داعبت مخيلة وآمال فدائيي فلسطين ومناضليها القدامى، عندما كانوا يرددون إبان أيام ثورتهم أغنية "وردة لجريح الثورة"؛ إذ لم يدر بخلدهم أن أياما باهتة ستتلاحق عليهم يغرقون فيها بفقر مدقع وإهمال فظ، يشتهون فيها كسرة خبز، لا ترف الوردة كما كانوا يغنون.
كان الفدائيون هم وقود الثورة الفلسطينية في بقاع المنفى منذ مطلع ستينيات القرن المنصرم، حتى صرخ فيهم الشاعر الراحل محمود درويش عبر أبياته "كم مرة تتفتح الزهرة؟ كم مرة ستهاجر الثورة؟"، ليختار الرئيس الراحل ياسر عرفات بعد رحلة الثورة المضنية تلك أن يحط رحاله في بقايا فلسطين التي قضمها الاحتلال الإسرائيلي، على أن تخمد الثورة ويُدشّن عصر السلام.
عقود مرت على فدائيي فلسطين ومناضليها، ليغدو في خريف العمر من كان في ذلك الحين شابا يافعا، ولتتضاعف متطلبات معيشته وعلاجه، فيما المبلغ الرمزي الذي يتقاضاه من منظمة التحرير الفلسطينية ما يزال يراوح مكانه منذ عهد الثورة وجراحاتها.
في الأعوام الخمسة الأخيرة، تقلدت الفدائية تيريز هلسة منصب رئيسة جرحى فلسطين في الأردن والشتات، بمعاونة رفيقها المناضل نسيم عودة، لتغدو حياة كليهما مكرسة لخدمة ورفع سوية معيشة أولئك الفدائيين والجرحى الذين فقد جلهم من الصحة الجسدية والنفسية ما يؤهله للمضي في حياته من جديد.
و تماما كما هو حال الأيام الأخيرة من كل شهر، تمضي هلسة وعودة لكثير من الفدائيين الذين أقعدتهم صحتهم عاجزين عن القدوم لمقر منظمة التحرير في جبل الحسين لاستلام رواتبهم، يمضيان في نهارات طويلة إلى حيث يسكن كثيرين منهم في مخيمات اللجوء أو على أطرافها…
في أحد تلك الأيام المشارفة على ذكرى النكبة الواحدة والستين، يممت وجهها وعودة شطر منطقة الرصيّفة في عمان الشرقية، لتفقد أحد المنضالين المعروفين في الأوساط الإسرائيلية، فيما يلف سيرته النسيان في الأوساط الفلسطينية والعربية.
في جنبات ذلك البيت المتواضع، يجلس هناك على فراشه الرث، فيما يغطي عينيه المفقوأتين بنظارة سميكة سوداء منذ أربعين عاما، بينما تصدح من جهاز التسجيل بجانبه أغنيات وطنية منهكة من تقادم السنين عليها.
لا يرضى على الإطلاق استقبال الإعلام، إذ لطالما كان يبوح لرفاقه بقناعته أن عمليته الفدائية ليست مادة إعلامية، بل واجب وطني لا يستحق عليه شكرا. لذا، كان لزاما أن يبقى اسمه طي الكتمان بعدما تم إخفاء هويتي كصحفية عنه.
يتحدث بعفوية تجللها ابتسامة وتفاؤل رغم آلام تجربته النضالية، وعيشه وحيدا في منزل والديه.. متعلق بالزراعة وكأنما هو يسعى لاستحضار خضرة قريته الخليلية حلحول.. بخطواته المثقلة من آثار الرصاص في قدميه، يتكئ على عكازته المهترئة، وعلى جوانب الجدران، حتى يصل للفول و"الحويرة" والبازيلاء والدوالي التي يتفنن في زراعتها و الاعتناء بها.
مجموعة فدائية فلسطينية، هي ما اعتقد جنود الاحتلال في شهر أكتوبر من العام 1969 أنها هاجمتهم، ليتبين لاحقا أنه ليس إلا فدائي واحد يمتلك من القوة والذكاء ما يكفي لمهاجمة دورية إسرائيلية وإيقاع خسائر بشرية ومادية بها، لا باستخدام دروع وأسلحة متطورة، بل ببندقية ظل مصمما على إطلاق النيران منها حتى نفدت ذخيرتها، كما ظل محتضنا إياها حتى بعد أن أصيب جميع جسده بالرصاص وبعد أن ألقي القبض عليه.
وقف بعدها القائد العسكري الإسرائيلي موشيه دايان لتأدية التحية العسكرية للفدائي، قائلا حسبما تداولته الأوساط الحربية والإعلامية الإسرائيلية حينها "كم نحن بحاجة لمن هم في مثل جرأة وشجاعة هذا الرجل"، ولِيُزجّ بعدها في المعتقلات الإسرائيلية، حتى تم إخلاء سبيله عبر عملية لتبادل الأسرى.
كان ذلك بحسب تيريز وعودة اللذان يعرفانه وباقي رفاقهم جيدا، فيما هو وكأنما استشعر بأن تحقيقا صحفيا يحاك في الخفاء، ظل صامتا معظم الحديث، متحاشيا أن ينبس ببنت شفة عن عمليته الفدائية، مكتفيا بقول "عندما كنا نخرج للعمل الفدائي لم نكن نتطلع للقشور أبدا.. لم نكن نريد غير الاستشهاد".
يتحدث عن الطفل فارس عودة، الذي صوّرته كاميرات وكالات الأنباء العالمية بينما هو يتصدى لمدرعة إسرائيلية بالحجارة إبان الانتفاضة الفلسطينية الأخيرة، وكأنما هو يراه بقلبه لا بعينيه المفقوأتين.
يبستم بمرارة و بلا تعقيب عندما تقول له هلسة بأنها شَكَت لأحد المسؤولين الفلسطينيين من شظف عيش الفدائيين وعدم تلبية المبغ الرمزي الذي يتقاضونه لاحتياجاتهم، ليجيبها المسؤول حينها "خلي الفدائيين ياكلو عدس"..
عند باب حاكورته المتواضعة، يصر على توديع ضيوفه، برغم صعوبة سيره، بينما يبتسم لهم حتى يمضوا بعيدا، وكأنما هو يبصرهم..
الوجهة الثانية كانت نحو الفدائي عبد القادر المحاميد في منطقة الجوفة في عمان الشرقية.. هناك في غرفته المتواضعة، يقبع مسجى على الفراش، فيما تنتصب أمامه صورة للرئيس الراحل ياسر عرفات، وبرواز مرصع بالخرز محاك عليه كلمة فلسطين، فيما زوجته تمسح دموعها لحظة سؤالها إن كان لديهم أبناء، لتجيب "لم يكتب لنا الإنجاب.. يا ليت عندي ولو بنت تساعدني في خدمته".
المحاميد، أو كما هو ملقب ب "أبو كايد"، كان أحد الفدائيين الفلسطينيين في جنوب لبنان، والذي يصفه رفاقه بأنه كان "واحدا من الفدائيين الشرسين في الصفوف الأولى".
في مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين في لبنان كان منفى أبو كايد وزوجته، والتي تقول "بعد اجتياح بيروت وخروج الفدائيين منها، خرجنا بملابس شحدناها شحدة، ولنتداين إيجار الطريق حتى وصلنا عمّان".
أبو كايد، المتحدرة أصوله من قرية أم الفحم المحتلة في العام 1948، يطلق أصواتا كثيرة عندما يرى أحدا، وبصوت جهوري، مشوحا بيديه اللتان تعانيان قروحا مستفحلة من آثار الرصاص الذي أنهكهما في بيروت، بيد أن كلمة واحدة لا تكاد تبين من حديثه، وإن كان يبدو لمن حوله عندما يرون انفعالاته وقسمات وجهه بأنه يتحدث عن حياته النضالية، لاسيما عندما يتعالى صوت همهماته عند تطرق الباقين إليها.
اثنان وسبعون عاما هو عمر أبو كايد، الذي قضاه ما بين مأساة النكبة قبل واحد وستين عاما، وما بين اللجوء والمخيمات، والنضال والاعتقال، لتكون المحصلة 120 دينارا نظير بطولته وحياته القاسية التي آلت إلى أرذل العمر، بعد أن صارت زوجته تضع له "الحفاظات" كما الأطفال، وهو ما يكلفها شهريا 100 دينار، ليتبقى من المبلغ عشرون دينارا.
سؤال أم كايد "مش جريمة يرمونا بآخر العمر هيك؟"، لم تحتمله هلسة ولا عودة طويلا، ما حداهم للتكفل بشراء "الحفاظات"، وتبعاتها من المواد العلاجية اللازمة، من أموال التبرعات التي يجمعونها للفدائيين، حتى يتمكن وزوجته من تلبية باقي متطلبات حياتهما من راتب ال120 دينارا لا غير.
تبكي أم كايد بحسرة عندما تقول "علاجه بكلفني كثير. كان عندي كم قطعة ذهب بعتهم، و بعت الكهربائيات البسيطة اللي كانت عندي بالبيت، وحتى الملابس بعت منها.. والمشكلة إنه أنا لازم أخدمه بعد ما ارتمى بالفراش برغم إنه معي حالة صعبة من الديسك".
ومن أبو كايد وزوجته وجراحهما الغائرة في العمق، إلى إبراهيم سلامة الذي يبغ من العمر خمسة وأربعين عاما، والذي يرقد على فراش المرض منذ ستة وعشرين عاما خلت.
كان عمر إبراهيم حينها ما يقارب التسعة عشر عاما، عندما قرر مفارقة أهله المغتربين في الكويت، للالتحاق بصفوف العمل الفدائي الفلسطيني في بيروت.
يعود أصله لقرية علار قضاء طولكرم، غير أن رحلة المنافي تقاذفته من الكويت لبيروت لدول أوروبية ولعمان لتلقي العلاج الذي لم يفلح في شفائه من الشلل الرباعي الذي ضرب جسده على إثر اشتباكه مع القوات الدرزية في لبنان.
اليوم، يرقد سلامة في مستشفى جيش التحرير التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية في جبل الحسين، بشكل شبه دائم، فيما عيناه تنطقان بالاستياء والأسى، الذي عبرت عنه هلسة بقولها "لا يعطونه حقه من الرعاية والدعم النفسي الذي يستحقه، بعد أن خسر صحته كليا منذ العام 1982".
يرفض أن يستخدم أحد أمامه مصطلح "ضيعت عمرك"، قائلا "إذا بدكم تقولوا ضيعت عمرك يعني كإنكم بتقولوا أنا ندمان. أنا ما ضيعت عمري ولا رايح أندم على اللي صار بيوم من الأيام".
يستذكر كيف ودعته والدته في الكويت عندما قرر الالتحاق بفدائيي لبنان، مبتسما ببراءة عندما يعن على باله العشرون دينارا كويتيا التي دستها في جيبه يومها.
وبرغم قول سلامة بأن "الله يمنح المبتلى صبرا غريبا بمجرد وقوع المصيبة عليه"، إلا أنه لايلبث يقول "السبب الذي أصبت جراءه بالشلل الرباعي يستحق التضحية.. القضية الفلسطينية تستحق التضحية مهما كان الثمن باهظا".
كانت إحدى الفتيات سألت سلامة يوما "هل كنت سترضى بحمل البندقية لو عادت إليك صحتك مجددا؟"، ليجيب بعنفوان "لو كانت يداي تتحركان الآن وتقدران على حمل البندقية لما ترددت في حملها".
ستة رفاق كانوا مع سلامة أصيبوا بحالات مقاربة لما أصيب به هو، فيما واحد منهم استشهد على الفور، يقول "الإسرائيلي عدو واضح.. غير أن أعداءك المتخفيين هم الأخطر"، في إشارة منه للدروز والكتائب الذين حاربوا الفلسطينيين في لبنان بضراوة.
سلامة يربط أية ميول نضالية لدى الشخص بطفولته وتربيته، قائلا "كان طريق النضال حتميا بالنسبة لي، لأنه في الوقت الذي كان فيه الأطفال يلعبون ويلهون، كنت وفرقة الأشبال التي التحقت بها منذ كان عمري 11 عاما، نتابع خطاب الرئيس الراحل ياسر عرفات".
وتمضي هلسة، من زيارة سلامة، نحو مكتبها في مقر المنظمة، بينما تحبس ألمها ودموعها لحال الفدائيين والجرحى، وبينما هي تحلل نفسيا كل كلمة يقولونها وكل رد فعل يصدر عنهم مهما كان قاسيا أو انفعاليا. تعزو كل ذلك ل "الألم النفسي والجرح الموغل في العمق من عدم الاحتفاء بهم وإيلائهم ما يستحقونه من الرعاية، بعد أن وقعوا فريسة للمرض والإحباط السياسي والنفسي".
تقول "أرقب آلامهم وأشعر بها.. ثمة من ما يزال قادرا منهم على السير، فيأتي لمكتبي في المنظمة و يجلس في الغرفة المجاورة، ليلتقي برفاقه القدامى، وليسترجع الماضي القاسي والحاضر الأقسى.. كثيرون منهم لا يحبون العودة لمنازلهم بعد ذلك، لأنهم لا يملكون تلبية متطلبات عائلاتهم".
تتحدث هلسة بحرقة، بينما أعداد كثيرة تطرق باب مكتبها المتواضع لاستجداء المنظمة منحهم مبالغا إضافية.
تأتي إليها ابنة أحد شهداء بيروت.. ترفض إيراد اسمها في التحقيق الصحفي، مكتفية بقول "كان عمري 11 عاما عندما هرعنا هاربين من مخيم صبرا، بعد استشهاد والدي، ودخول الكتائب لبيت جارنا وقتله ومحاولتهم اغتصاب ابنته".
تكمل بينما تبدو كمن يسترجع شريط ذكريات مرير أمام عينيها، قائلة "هرب قسم من عائلتي لسوريا، فيما قسمنا الآخر للأردن، لنعاود الالتقاء جميعا هنا، وبرغم كل ما مر بنا من مآس إلا أننا لم نفقد يوما إيماننا بالقضية وما شعرنا بذلك بالقدر الذي شعرنا به إبان حرب غزة الأخيرة".
سيدة أخرى تلج مكتب هلسة، لاستجداء معونة المنظمة لدفع إيجار منزلها وزوجها المعتل نفسيا وجسديا، بعد أن خسر إحدى عينيه في حرب بيروت.
في صفوف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التقته، وتحديدا في إحدى مقار الإذاعات الناطقة باسم النضال الفلسطيني من هناك، لتتزوجه وليصاب بعدها، ولتخرج وإياه مع جموع الفدائيين المرحّلين عن بيروت، نحو منافي شتى، ليستقر بها المقام في الأردن.
أصوات كثيرة تتعالى في مقر المنظمة؛ فبعض الفدائيين تلتهب حماسته لدى حديثه عن بطولته لرفاقه الباقين، فيما بعضهم الآخر يعلن بملئ صوته حجم تذمره من ضيق ذات اليد وبؤس المعيشة، ليكون القاسم المشترك في القصص جميعها مجموعة من المفردات التي يلتقي الكل عندها؛ "فلسطين.. نكبة.. نكسة.. مجزرة.. فدائيين.. بيروت.. بارودة.. شهيد"، ليقول أحدهم، بمرارة تختزل عقود الألم الفلسطيني كلها "يا ريت كل واحد فينا كان ينجرح كان رفيقه يقتله.. كان ارتحنا".
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج


























سبتمبر 9th, 2009 at 9 سبتمبر 2009 6:12 ص
برغم كل الأسى الذي تحمله هذه السطور، إلا أنها تنبض فخرا وعزة، وفي الوقت الذي نجح فيه هؤلاء جميعا وغيرهم من أهلنا في تخليد القضية وفدائها، تفشل السلطة ومعها كل الأنظمة والمنظمات المتشدقة بمختلف أشكال الحقوق في منح من نذروا أنفسهم لحرية الإنسانية دراهم معدودة، ناهيك عن حقوق الكرامة والعيش بظروف وحقوق طبيعية يحصل عليها البشر الآخرون…
سطورك شهادة قاسية وصفعة لضمائرنا التي ران عليها الظلم والإذلال، وعار جديد نضيفه إلى سلسلة “انتصاراتنا” على المستضعفين، وإن كانوا هم -في عُرف الله والوطن- الأعزة، ونحن وأنظمتنا عارٌ علينا السمع والبصر..