وُلِدتُ هناك.. وُلِدتُ هنا: مريد البرغوثي بين الوطن والمنفى

كتبهارشا عبدالله سلامة ، في 28 أغسطس 2009 الساعة: 11:43 ص

 
رشا عبدالله سلامة

   ذات الشجن والأصالة التي حاك فيها قصيدته "رنة الإبرة".. وذات نزيز دم الجرح في رائعته "صيحة إلى الموت".. وذات الظرافة والألمعية التي لوّنت كلماته عندما كتب "غمزة".. وذات القيافة والبساطة والطباع الفلاحية الأصيلة التي تهيمن على حضوره أينما حل.. كل ذلك، امتزج ببداعة وبراعة ليست بالغريبة البتة عن نتاج الشاعر والأديب الفلسطيني مريد البرغوثي، منذ دارت طواحين شعره في السبعينيات من القرن المنصرم، حتى إصداره كتابه النثري مؤخرا "وُلدت هناك.. وُلدت هنا".

البرغوثي الذي تحدث عن زيارته للوطن المحتل بعد عقود من التنقل بين المنافي، في كتابه السابق "رأيت رام الله"، أراد أن يحيط بقلمه بجلّ ما تبقى من إرهاصات الاحتلال وتبعاته ومآسيه التي يقذفها الإسرائيليون يوميا ألغاما في مخدع كل فلسطيني في الوطن المحتل، وكذلك المنفى.. فكان كتابه "وُلِدتُ هناك.. وُلِدتُ هنا"، والذي زاوج فيه بين السيرة الذاتية وأدب الرحلات الشيق والمراجعة النقدية لكل ما يتراءى أمام عينيه ويعتمل في ذهنه من معنى أو فكرة تنصهر في بوتقة فلسطين.

مريد ارتكز في كتابه على ثلاثة محاور أساسية ناقشها بإسهاب وتداخل، أولها التبرؤ التام من السلطة الوطنية الفلسطينية التي كاشفها في سطوره بفسادها المستفحل، معززا الفكرة التي لطالما تحدث عنها مليا المفكر الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد تحت عنوان "المثقف والسلطة" وإن كان إدوارد يقصد السلطة عموما و ليس الفلسطينية فقط، تماما كما عرّج مريد على اصطدامه مع السلطات المصرية وليس السلطة الفلسطينية فحسب. المحور الثاني كان مناقشة ظاهرة الصحوة الدينية التي استشرت في عموم الوطن العربي بطريقة هي أقرب للتخبط منها للوعي، مدعما قوله بمشاهدات شخصية قارن بينها وبين مشاهداته أيام المد اليساري، ليكون المحور الثالث هو الحديث عن ابنه الشاعر تميم من ناحيتين: الأولى أبوية بحتة والثانية مهنية.

يقول مريد فيما يتعلق بالمحور الأول "هذه السلطة تسير، وأحيانا تركض ركضا نشيطا مخلصا متفانيا، خلف الوعد المفخخ، لكنها تتعرقل بذيل سروالها وتكبو مع كل خطوة. عندما تقوم من كبوتها وتحاول استئناف سيرها وسيرتها، تجد أنها ابتعدت عن الناس واستخفت باحتياجاتهم الصغيرة والملحة، وأصبحت في واد غير واديهم، وفقدت السيطرة على أعوانها ومؤيديها".

مريد أطلق في كتابه على فاسدي السلطة اسما تهكميا هو "نامق التيجاني" الذي يجمعه
قائلا "النوامق"، فيقول عنهم وعن خلافه الذي استشرى مع السلطة عندما قرر العمل في رام الله "تسلمت عملي في المؤسسة. رأيت النامق وأفعاله رأي العين. لا حاجة لي بالخوض في التفاصيل، فالنامق هو التفاصيل. النامق هو الباقي المستمر لأن النامق صاغ نفسه على هوى السلطة، والسلطة صاغت النامق على هواها. نوامق العائدين من تونس فتشوا عن نوامق المقيمين ومدوا لهم اليد والفرص والمكاسب فتشكل الحلف الذي هو آخر ما يلزم لحركة تحرر ……. وضعت على طاولة المشرف المالي على المشروع كومة الفواتير المزورة أو المشبوهة وطلبت اتخاذ إجراء بحق المستفيدين منها. فجاءتني نصيحته بتوقيعها ليتم صرفها. قدمت استقالتي فرُفِضَت وطلبت عقد اجتماع قلت فيه: أنا أضعف شخص في هذا الاجتماع، أنا بلا حزب وبلا فصيل وبلا يد تحميني في ما تسمونه الحكومة وبلا شلة تناصرني في أي مكان لكنني أملك هذا ورفعت قلمي بيدي اليمنى عاليا أمام عيني".

ويسرد البرغوثي المزيد والمزيد عن فساد السلطة وأخطاء ياسر عرفات من وجهة نظره، رغم مصارحة قارئه بالظروف القاسية التي كان يمر بها عرفات بسبب تآمر الكيان الإسرائيلي وبعض الأنظمة العربية عليه وتحديدا إبان حصار مقره في "المقاطعة"، كما يتحدث عن تسلمه جائزة فلسطينية في رام الله وبنفس الوقت إصراره على انتقاد السلطة الفلسطينية على نفس المنصة التي تسلم جائزته عليها.

ما بين قاهرة الستينيات والسبعينيات (وهو الأمر ذاته المنسحب على باقي العواصم العربية) التي كانت تضج حينها بمظاهر الحياة المتأثرة إلى حد كبير بالمد اليساري ونداءات الثورة والحرية، وما بين المجتعمات الراهنة التي تكتسحها الصحوة الدينية بدءا من مظاهر التدين الجماعي، كما وصفها مريد، و ليس انتهاء بارتداء معظم النساء الحجاب والنقاب الذي يشك الناظر إليه بأن ظاهرته مستمدة من قناعات فكرية ناضجة أو فلسفية، ما بين هذه وتلك، يسهب مريد في الحديث عن الفروق والمظاهر الدالة على التوجهات المتباينة. يفسر مريد حادثتين مرّتا به شخصيا. الأولى عندما كان خاله يحتضر، وإذ ببنات خاله يحاولن بصعوبة دس سماعة مسجل في أذن والدهن ليسمعنه آيات من القرآن، ليكون الموقف الثاني عندما لم يتمكن من الوصول لأي مسعف أثناء رقود زوجته الأديبة المصرية رضوى عاشور بحالة حرجة في المستشفى لأن الكل مصطف في ممر المستشفى للصلاة جماعة.. يقول "لم يعد الكتاب مصدرا للمعرفة عند كثير من الناس في عصر الفضائيات، والفضائيات العربية محتلة بالوعاظ والدعاة ومحترفي الفتوى والتلفزيون أصبح عنوان الحقيقة، لكن هذا وحده لا يفسر الظاهرة. المؤكد أن الانقلاب الاجتماعي أصبح جماعيا في كل بلاد العرب".

تميم الابن تداخل لدى مريد بتميم الشاعر، في صورة هي الأكثر قربا لتحمس السيدة فيروز لمهنية ابنها زياد الرحباني إلى حد أضاعت فيها ألحانه هوية كثير من فن فيروز الذي عرفها الجمهور من خلاله؛ فمريد انتقل من تعبيره الحميم عن مشاعره حيال دخول تميم فلسطين للمرة الأولى وقلقه من أن يتعرض لأي مكروه أو مساءلة من قِبل جنود الاحتلال، انتقل منها للتغزل بشِعره وقصائده وحتى شَعره الطويل وعينيه وقوامه، وإن كان كثير من هذا الحنان الأبوي يفيض رغما عن مريد بينما هو يتطارح شجونه مع القارئ حول مرحلة الإبعاد القسري التي فرّقت بينه من جهة وبين تميم ووالدته من جهة أخرى، بسبب ترحيل مصر له وعيشه في المنفى منذ ذلك الحين.

يحكم مريد على نتاج شعر نجله، قائلا "لا أعرف ما استقر في عينيه من القدس، ولا أملك أن أكتب شيئا من ذلك. لكنه في المستقبل، بعد بضع سنوات، سيترك فلسطين كلها تعرف، عندما يكتب قصيدته (في القدس) والتي ستصبح أشهر قصيدة عربية أعرفها عن هذه المدينة" !! ويقول مريد في مقطع آخر "في المستقبل، بعد تسع سنوات كاملة من هذه الوقفة سيكون لتميم وشعره شأن آخر مع أهالي دير غسانة. سيملأون ملعب المدرسة وسيأتي أهالي القرى المجاورة ليستمعوا إلى قصائده. الطفل المولود في مستشفى يسري جوهر على شاطئ النيل في القاهرة سيصبح شاعر فلسطين الشاب وابنها الوسيم بشَعره المسترسل الطويل وابتسامته، وبرسالة الأمل التي حملتها لهم قصائده رغم الاكتئاب القومي الطويل الأمد" !!

وإلى جانب المحاور الثلاثة الآنفة، فتح مريد قلبه لقارئه في "وُلدتُ هناك.. وُلدتُ هنا"، ومنحه صداقة وحظوة خاصة عندما باح له بالكثير الكثير عن شجونه الشخصية وذكرياته وآلامه وآماله وإحباطاته ومخاوفه وإخفاقاته ونجاحاته.. رسم لوحات فلسطينية كثيرة لا تقل عمقا عن لوحات الفنان التشكيلي الراحل إسماعيل شموط، رسم عبر كلماته لوحات للعائلة الفلسطينية المتماسكة.. القرية واحتفالاتها وكرمها.. نضالها ونضال عموم فلسطين، بدءا من المعابر وليس انتهاء بالاجتياحات والحصارات.

يرفض ويحتج بانفعال على حشره في زاوية الشعر الثوري، لا بسبب ضجره من الوطنية، بل لأن قلبه ثَمِل من أوجاع شعبه الذي اختبر كل شيء.. يقول في إحدى فقرات كتابه "نحن نعيش وجعا مزمنا ومقاومة مزمنة منذ أكثر من قرن…. ومنذ نقرت أظافر الحركة الصهيونية زجاج نوافذنا إلى أن هدمت وطننا فوق رؤوسنا مر بنا كل ما يتخيله شاعر أو ناثر إلى حد التشبع والإملال. كل أصناف الموت. كل أصناف الصبر، كل أصناف المحاولات، كل أصناف القادة ما عدا الناجح منهم فهذا ما نزال بانتظاره لكننا انتظرناه حتى الملل أيضا. مر بنا اليأس ومر بنا الأمل إلى حد فقداننا لتعريف دقيق يليق بأي منهما. مر بنا التشاؤوم ومر بنا التفاؤل ومر بنا التشاؤل ومر بنا طابور من رؤساء الولايات المتحدة، فما الذي لم يمر بنا بعد؟".

يتحدث مريد ويتحدث عن منافيه وتنقلاته التي كثيرا ما يتعجب أصدقاؤه الأجانب من ضجره منها رغم أنها تمنحه السفر والانفتاح على العالم، ليعلل ذلك بأنه لو كان منفاه ومنفى أي فلسطيني اختياريا لما كان كل هذا الألم، ولو كانت لهم حرية العودة لفلسطين متى شاءوا لما توغّلت في قلوبهم كل هذه الحسرة..

ويأبى مريد إلا تقاسم لحظاته كلها في فلسطين مع قارئه، حتى تلك الطريفة منها بكل ما تحمله من دلالات ومعان موجعة، فها هو يسرد كيف اختبأ مع صديق له في سيارة إسعاف كي يصل رام الله، وها هو يتحدث عن قريبه الذي تعيّن في الجامعة العبرية في القدس ليحرس مختبرا لقرود التجارب وليسقيها الحليب، فما كان منه إلا أن بات يشرب حصّتها من الحليب حتى تحسنت صحته بينما شارفت القرود على الهلاك.

لعل كتاب مريد البرغوثي "وُلدتُ هناك.. وُلدتُ هنا"، إلى جانب نتاجه الشعري والنثري كله، لا يستحق من الجمهور الفلسطيني خصوصا والعربي والعالمي عموما مجرد الاحتفاظ به كوثيقة مهمة لكل من يود استذكار فلسطين مع حليب صباحه كل يوم، بل هو يستحق الوقوف لقلمه تبجيلا.. ذلك القلم الذي استطاع نقش اسم فلسطين وأدق تفاصيل قضيتها بواقعية ومصداقية وشاعرية عالية لا تجنح نحو الوعظ والخطابة.. وذلك القلم الذي نأى بنفسه طوال العقود الماضية عن بريق النجومية المكذوب والتسويق المكشوف لذاته في المحافل العربية والعالمية، ليختار دوما وقارا وهدوءا وإبداعا يأتي بالشهرة طائعة مستسلمة له حيثما تقاذفته المنافي..

""وُلدتُ هناك.. وُلدتُ هنا" ليس بعنوان واحد من إبداعات مريد فحسب، بل هو عنوان رحلة شعب فلسطيني يتحدث من منفاه عن مكان ولادته "هناك" على أرض كنعان السليبة، ليشير مرة أخرى إلى مكان ولادته "هنا"، عندما يطأ تراب فلسطين.. في الحقيقة أو حتى الخيال..

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر