مثالب توثيق مرحلة السلام الفلسطينية- الإسرائيلية: بسام أبو شريف أنموذجاً
كتبهارشا عبدالله سلامة ، في 19 أغسطس 2009 الساعة: 21:24 م
رشا عبدالله سلامة
سيل عارم من الشهادات والروايات والخفايا تلك التي أغرق ومايزال المناضل الفلسطيني السابق بسام أبو شريف الجمهور الفلسطيني والعالمي بها.. كتب ومذكرات وحوارات وبرامج تُفرد مساحات واسعة لإدلاءات أبو شريف التي لا تتوقف، رغم وفاة عماد هذه المذكرات "البسّامية"، إن صح التعبير، الرئيس الراحل ياسر عرفات.
ومثلما هي الجدلية والضبابية بين رحلتيّ الثورة فالسلام الفلسطيني- الإسرائيلي، فإن ذات الضبابية والجدلية تكتنف المشهد "البسامي"؛ فتارة هو يصفق ويهتف للثورة والكفاح المسلح إلى حد محاولة الاغتيال الإسرائيلية له في بيروت ما أدى لفقدانه إحدى عينيه وترك تشوهات في وجهه، إلى لعب دور كبير مهندسي عملية السلام الفلسطينية- الإسرائيلية. كذلك في قفزه من موقعه كعضو في حركة القوميين العرب والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، إلى مستشار للرئيس الراحل ياسر عرفات، برغم الهوة التي تفصل بين موقف الجبهة والموقف "العرفاتي"! وبذا، فإنه لم يسق للقارئ أو المشاهد الحد الفاصل الذي تبدلت فيه المرحلة الثورية الأولى لديه بالمرحلة "السلامية" الثانية، بل هو في مرات ذهب للتصفيق والهتاف لكلتا المرحلتين معاً !
رجال كثر في صفوف الثورة الفلسطينية مشوا في الطريق "العرفاتي" نحو السلام، بتزامن ولو مبطن مع خروج المقاومة الفلسطينية من لبنان والذي كان سببه التضييق العربي والعالمي على الثورة والبطش الإسرائيلي بها، غير أن أحدا منهم تقريبا لاسيما أولئك الذين كان لهم الباع الأطول في الكفاح المسلح، أحدا منهم لم يسوّق نفسه مثلما سوّق أبو شريف ذاته كواحد من أبرز مهندسي عملية السلام، إلى حد نسب فيه لنفسه انتزاع اعتراف كثير من دول العالم بمنظمة التحرير الفلسطينية كطرف في عملية السلام المزمعة، وإلى حد أسهب فيه في شرح أمجاد المقالة التي كان كتبها ذات مرة في إحدى الجرائد الغربية عن فكرة "حل الدولتين"، إسهابا هو أقرب للتغني بإنجاز وسبق شخصي وتحديدا عند تطرقه لردود الأفعال العالمية والفلسطينية حيالها، رغم أنه من الطريف أن هذا التمجيد لم يملك في نهاية كتب المذكرات والحوارات والبرامج إلا أن يصطدم باعتراف، أبو شريف وغيره، أن اتفاق أوسلو كان خدعة، وبأنه لم يعط الفلسطينيين تقريبا أي شيء من حقوقهم المنتظرة.
بسام أبو شريف إعلامي محنك ومحترف، ويملك من الثقافة القدر المذهل، إلى جانب إلمامه الجليّ بجوانب اللغة وتعقيداتها، عدا عن صفاته الشخصية التي من السهولة بمكان التقاطها من كتاباته وحواراته كسرعة بديهته وذكائه الحاذق ومثابرته الدؤوبة ليصل نحو مراده ودبلوماسيته التي لا تقطع شعرة معاوية مع أي كان، إلا إن شهاداته ومذكراته التي باتت تتكاثر في الآونة الأخيرة إلى حد لافت للنظر، تسترعي وضع ملاحظات عامة حول الخطاب الفلسطيني الذي يتحدث عن تدشين مرحلة السلام رسميا في مطلع التسعينيات، وتحديدا ذلك الخطاب الذي يرنو أربابه لوصوله إلى الغرب:
- بداية، فإن من بين ما يلفت الانتباه عند النظر للخطاب الفلسطيني الموجه نحو الغرب هو ليس تغييره اللهجة برمتها، بل هو تغيير شبه كامل في الموقف الفلسطيني حيال مرحلة الكفاح المسلح تحديدا، والذي غالبا ما يتخذ هيئة الاعتذار أو على الأقل الاعتراف الضمني ب "العبثية" و"عدم الجدوى"، كما يصفها الغرب. ويتفهم المتلقي الفلسطيني في هذا السياق ضرورة تغيير بعض مفردات الخطاب الفلسطيني كي يلائم المتلقي الغربي الذي يفصله عن الثقافة العربية والإسلامية بون شاسع، بيد أن من غير المفهوم إدانة خط نضالي كامل استنزف أرواح آلاف الفدائيين الأحرار والأبرياء العزّل في المخيمات وفي عمق الأرض المحتلة، ولعل من أمثلة ذلك الشهادة التي أدلى بها مؤخرا أحد المحسوبين على الثورة الفلسطينية عندما قال بأن النتاج الشعري لإحدى الشخصيات الفلسطينية المبدعة حقق فائدة للقضية أكثر من كل ما أدته فصائل الثورة !!
- تضخم الأنا لدى كثيرين ممن يدوّنون مذكراتهم السياسية أو يوثّقون لحقبة السلام الفلسطيني- الإسرائيلي؛ إذ يسعى معظمهم لنسب كثير من جهود تلك المرحلة لذاته، مع كيل اتهامات مبطنة لا يستهان بها لرفاق المرحلة وللتنظيمات الثورية الفلسطينية الأخرى، ما يسهم في تعزيز صفة "الفوضى" الموصومة بها الرحلة الفلسطينية، وهو ما يسعى لترويجه كثير من خصوم الثورة الفلسطينية في محاولة منهم لتشويه صورتها.
- يكاد يكون الحديث عن العراقيل الأميركية والإسرائيلية لعملية السلام ضئيلا ومتواضعا جدا في مذكرات كثير من القيادات الفلسطينية وفي الوثائقيات التي تتناول الموضوع الآنف، مقابل تسليط الضوء بكثافة مبالغ بها على الخلافات الفلسطينية- الفلسطينية والفلسطينية- العربية، ما يعد تعزيزاً لما يروّجه الإسرائيليون من عدم وجود وحدة صف وموقف فلسطيني موحّد لاتخاذ القرار.
- إضفاء طابع "الأسطرة" على شخصية الرئيس الراحل ياسر عرفات، والذي يمثل رمزا لكل فلسطيني بغض النظر عن مدى الاتفاق أو الاختلاف معه على مواقف كثيرة كان اتخذها إبان نضاله، إلا أن من شأن هذه "الأسطرة" أن تضع المذكرات في سياق المبالغات المجانبة للنقد الموضوعي والبنّاء لأخطاء الثورة الفلسطينية ومن ثم مرحلة السلام وبناء السلطة الفلسطينية، فعلى سبيل المثال لم تتناول تقريبا أي من تلك الأعمال التي راجعت مسيرة القضية موقف عرفات واستراتيجيته في التعامل مع الفساد الذي استشرى في مؤسسات السلطة منذ ميلادها عقب اتفاق أوسلو.
- التعريج بتواضع شديد على الانتفاضتين الأولى والثانية والغليان الفلسطيني الشعبي في الأراضي المحتلة والحالات الإنسانية المستعصية في عمق الوطن المحتل والمنفى وتحديدا المخيمات الفلسطينية، ما يجعل من تلك البرامج والمذكرات التي ترنو لتسجيل المسيرة الفلسطينية مجرد عمل شخصي يتحدث في معظمه عن الإنجازات الشخصية التي تدّعي ضلاعتها في تسيير الأمور في مطابخ صنع القرار، ما يضيف ضررا جديدا وهو إيهام العالم بأن هنالك قرار فلسطيني من الأساس، بدلا من الاعتراف علنا وبالفم الملآن أن القرار الفلسطيني لطالما كان وما يزال خاضعا لمؤامرات دولية دائما وعربية غالبا، ولعل المثال الأبرز على ذلك أنه حتى تلك الشخصيات الفلسطينية التي وقّعت السلام وهندسته لا تملك التحرك داخل الأرض المحتلة إلا بإذن إسرائيلي، تماما كما حوصر عرفات في مقره و تم تسميمه رغم كل المرونة التي أبداها في التعاطي مع العدو والغرب.
ويكاد يكون برنامج "حكاية ثورة" من أبرز الأعمال الناجحة في تناولها الرحلة الفلسطينية، على الرغم من بعض الهنات التي تخللته، إلا أن جودته تفرض اقتراحا بأن تخضع وثائقيات المسيرة الفلسطينية لإشراف أكاديمي وبحثي فلسطيني، بدلا من تحكم النرجسية والفصائلية بالواقع والرواية الفلسطينية في آن.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























