“ذكريات من القدس”: سيرين الحسيني تستحضر الوطن والمنفى
كتبهارشا عبدالله سلامة ، في 1 أغسطس 2009 الساعة: 17:31 م
"في بعض الأيام يثقل الماضي كثيرا على القلب.. لكنني أعاود الاستغراق فيه وأتذكر".. بهذه الكلمات الحميمية اختارت الفلسطينية سيرين الحسيني شهيد أن تمهر كتاب مذكراتها الذي صدر مؤخرا "ذكريات من القدس"، مثلما اختار المفكر الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد الكلمات ذاتها ليسلط الضوء عليها عندما قدّم للكتاب.
"ذكريات من القدس" ضم فصولا خفيفة لا تثقل على القارئ؛ لطابعها الدافئ والبعيد كل البعد عن التوثيق الأكاديمي الصرف لحقبة عيش الفلسطينيين على أرضهم تحت الاحتلال التركي فالبريطاني، ومن ثم رحلة الشتات بحضور الاحتلال الصهيوني. النقطة الآنفة أشارت إليها أيضا محررة الكتاب جين سعيد مقدسي، عندما ذكرت في المقدمة بأن الكتابات الأكاديمية والتوثيقية لحياة الفلسطينيين قبل النكبة كانت "تطرح الماضي مجردا"، فيما تغيب عنها "أصوات وروائح وصور وملابس ومشاهد منزلية وحدائق وأغنيات ورقصات"، كتلك التي يحفل بها كتاب سيرين. الأمر ذاته، تحدث عنه إدوارد عندما قال إن في ذكريات سيرين "رعاة وطباخين وأساتذة وأعماما وخالات وأبناء عم وفلاحين وإخوانا وأخوات ورفاق مدرسة وبستانيين و…. أشياء عزيزة على النفس وأمكنة ولحظات… استولت عليها إسرائيل وحولتها إلى ممتلكات أجنبية أو حطمتها بكل بساطة".
سيرين استهلت كتابها، الذي تُرجم بركاكة عن الإنجليزية والفرنسية إلى العربية، والذي تخلله صور موثقة بتواريخها وأمكنتها لعائلتها التي تعد واحدة من كبريات عائلات فلسطين العريقة، استهلته بقصة ما تزال رطبة في ذاكرتها رغم سنوات عمرها الغضة حينها، تقول "كان أبي جالسا على طرف السرير مرتديا قميصه وبنطلونه وهو بصدد انتعال حذائه … فأخذت وأنا منكبة على حذائه، أترجاه ألا يخرج وأن يظل معي لنلعب في البيت … رفعني من على الأرض ووضعني على ركبتيه: اسمعي، قال وهو ينظر مباشرة في عيني، يجب أن أنجز أشياء مهمة. وسألني عندئذ إذا كنت أتذكر بعد ذلك اليوم، في أريحا، عندما شاهدنا عائلات للاجئين أرمن … هل تذكرين أني شرحت لك أنهم كانوا يبحثون عن ملجأ؟ ألم نحس معا بالأسى من أجلهم لأنهم طردوا من ديارهم وبلدهم؟ صمت لحظة قبل أن يتابع: إذا نحن الفلسطينيين لم نعمل بكل قوانا، فسيكون علينا قريبا أن نجوب العالم بحثا عن ملجأ و … توقف فجأة. كان وجهه متشنجا من الانفعالات ولمحت دموعا في عينيه. ابتعدت عنه منزلقة من فوق ركبتيه وخرجت جارية من الغرفة. لم أكن أطيق أن أرى أبي وهو يبكي".
والد سيرين، التي أبصرت النور في القدس العام 1920، كان ناشطا سياسيا ضد الوجود البريطاني على أرض فلسطين، ما تسبب في فراره وعائلته من البطش إثر ثورة 1936، أي قبل أن يعرف عموم الشعب الفلسطيني طريقه نحو اللجوء الرسمي في العام 1948. ولعل من أكثر العبارات التي شفّت ألما عميقا لدى سيرين قولها عن وفاة جدتها التي رحلت معهم من القدس إلى بيروت ثم إلى بغداد لتموت في طريق عودتها من بغداد إلى القدس "لم نعِ في ذلك الحين أهمية ذلك الحدث، إذ إن جدتي كانت أول شخص يموت من عائلتنا خارج الوطن. مرت سنون على موتها، إلا أنني ما أزال أفكر في روح جدتي وهي هائمة وسط ذلك الامتداد الصحراوي الشاسع، بعيدة، جد بعيدة عن بيتها".
رحلة المنفى التي دخلت سيرين في غياهبها منذ ذلك الحين، لم تختلف في إرهاصاتها النفسية في شيء عن رحلة عموم اللاجئين الفلسطينيين، برغم فرادتها بالنسبة لعائلة سيرين وباقي العائلات الفلسطينية البرجوازية والتي استقرت عند لجوئها في فنادق أو شقق ذات حالة جيدة وليس في تجمعات في العراء غدت فيما بعد مخيمات لجوء لعموم الشعب الفلسطيني. برغم ذلك تقول "لم نفهم بطبيعة الحال، فورا، أن هناك حياة جديدة تبدأ بالنسبة لنا غداة وصولنا إلى بيروت. كنا قد اجتزنا الحد القدري بين حياتنا في القدس وحياة المنفى؛ إلا أنه كان يلزمنا عدة عقود حتى نتنبه حقيقة إلى ذلك. في التو، لم نكن نعتبر ذلك السفر سوى مضايقة قصيرة الأمد، وكنا متأكدين من عودتنا القريبة إلى القدس". كذلك هو الحال، في سوق سيرين قصة خالها موسى العلمي، الذي كان تخرج من جامعة كامبريدج في أوائل القرن المنصرم، ليجترح معجزة تنموية في غور الأردن عقب تشريده كباقي أبناء شعبه، لتبرهن سيرين أن الفلسطيني على اختلاف خلفيته الثقافية ومؤهلاته العلمية من شأنه دوما أن يثبت استحقاقه للحياة أينما حل ومهما حاق به.
روايات وأحاديث كثيرة استحضرتها سيرين وساقتها للقارئ، وكأنما هي "تفضفض" بها عن ذاكرتها بعد كل تلك السنين، ما جعلني أفضّل سوق مقتطفات منها؛ إذ تكفي كلماتها التي تصف مشاعرها للتعبير عن واقع المأساة الفلسطينية التي ما تزال قائمة ومستفحلة حتى اليوم، ولعل من رواياتها المؤثرة والمعبرة بعمق تلك التي تتحدث بها عن أم عابد الأرملة التي أفنت عمرها لتربية وحيدها اليتيم، والذي التحق بثوار الثلاثينيات ليعود إلى القرية جثة هامدة يجوب بها الإنجليز القرى الفلسطينية للتعرف إلى هوية صاحبها و بالتالي نسف قريته برمتها، ما حداها لإخفاء حقيقة أمومتها رغم انهيارها عندما تعرفت إلى ملامحه.
قصة أخرى آثرت سيرين اقتسامها مع القارئ وهي قصة إحدى النسوة المقدسيات (أم علي) والتي هُجِرت من القدس إلى أريحا، تقول "في آخر أيامها فقدت أم علي كل إحساس بالواقع ولم تعد تشغلها سوى فكرة واحدة: أن تعود إلى بيتها. انطلقت في الطريق عدة مرات غير مترددة في إنجاز السفر وحدها، لكن أناسا كانوا يعثرون عليها بسرعة ويعيدونها إلى أريحا. إلى أن كان هربها الأخير، فعثروا عليها ميتة مسجاة داخل أزقة القدس القديمة".
القدس كانت محور حياة سيرين كما باقي الفلسطينيين والمقدسيين منهم تحديدا، تصفها كثيرا في طيات كتابها، بيد أن الوصف الذي يمسك بيد القارئ ليصحبه هناك حيث أزقة القدس القديمة، قولها "كنت أجدني وسط فضاء شاسع يقود إلى الدرجات التي تنزل إلى قلب المدينة القديمة. هناك، كانت بلاطات الشوارع ملساء، متقادمة من أثر خطوات جميع الذين وطئوها على مر القرون. دائما كانت هناك حشود في المدينة القديمة. شيوخ، رهبان، حاخامات… وكانت هناك فلاحات من القرى المجاورة جئن لبيع منتوجاتهن في السوق ويحملن على رؤوسهن سلالا مضفورة ممتلئة بالفواكه والخضر وهن يضعن يدا على الخصر والأخرى فوق السلة في توازن عجيب. وكانت تنوراتهن الطويلة السوداء المزينة بتطريزات معقدة ذات موتيفات متميزة حمراء وخضراء ووردية، وشالاتهن الطويلة البيضاء المطرزة تتهاوى بلطافة عند كل خطوة، بينما رؤوسهن المثقلة بحملها تظل مستقيمة تماما".
الوصف الآنف، من شأنه على بساطته وبداعته إعادة تذكير العالم بسماحة فلسطين وحضارتها التي كان من أهم ميزاتها صهر الخلفيات والديانات كلها في بوتقة إنسانية واحدة وتحديدا في مدينة القدس بعكس ما تروج له أكاذيب الصهيونية من اضطهاد اليهود، إلى جانب أن من شأن إسهاب سيرين في وصف الفلاحات إذابة للحساسيات المسبقة التي رسخها الاحتلال الإنجليزي ومن قبله الأتراك بين أهالي المدن والقرى الفلسطينية، ولعل القصة التي تدمي القلب هي تلك التي ساقتها سيرين عن رفيقة طفولتها مريم، والتي تنتمي لقرية شرفات/ القدس الغربية، بعد أن اتخذ جد سيرين لأمها فيضي العلمي، والذي كان عمدة للقدس ونائبا عنها في البرلمان العثماني، اتخذ من شرفات مصيفا له عندما بنى تحت بلوطة معمرة فيها بيتا صيفيا، تقول سيرين عن ابنة مختار قرية شرفات مريم أو كما كان يحلو لها مناداتها بالفلاحية: هيه مِريم هيه.. تقول "بعد سنوات عديدة تشظت حيواتنا واحتلت أراضينا وبيوتنا و تشرد شعبنا على امتداد العالم. ونتيجة لخطة تقسيم فلسطين التي أقرتها الأمم المتحدة فإن شرفات بقيت عربية، فقرر سكانها ألا يغادروا أراضيهم. مرت عقود، وأصبحت أعيش في بيروت مع زوجي. وذات مساء سمعنا في الإذاعة: هوجمت شرفات وهي قرية صغيرة غرب القدس. وقد تهدم منزل علي مشعل المختار نتيجة انفجار ومات علي مشعل وجميع أفراد عائلته.. لقد ظلت مريم وأختها الصغيرة يوما كاملا تحت الأنقاض قبل وصول الإغاثة التي حملتهما إلى المستشفى لكنهما غادرتا الحياة بعد قليل. أفكر في مريم، وأحيانا قلبي يناديها: هيه مِريم هيه".
ومثلما تقاسمت سيرين مع القارئ عذابات النفي عن القدس، فإنها أطلعته على تفاصيل عودتها لزيارتها في مطلع السبعينيات، ساردة صبر والدتها عندما صممت دخول بيتها الذي احتله اليهود، تقول "في آخر المطاف، طلبت أمي … من نجوى أن تقودنا إلى بيتنا. ونحن جالسات (سيرين وأخواتها) على المقعد الخلفي للسيارة، احتججنا بصوت واحد: كلا ليس هو الوقت المناسب. ليس الآن. فيما بعد. تلقائيا وبدون اتفاق مسبق، كان لدينا نحن الأخوات الأربع إحساس بأننا لن نتحمل رؤية ذلك البيت الذي لم يعد بيتنا. كنا نعرف أنه محتل من لدن إسرائيليين؛ لكن أمنا، وهي في سنها الثمانين، أصرت على زيارته، فاستجابت نجوى لطلبها. منذ وصلنا إلى باب العمود، بدأنا جميعا نبحث بعيوننا متلهفات من بعيد، دون أن نتفق على ذلك. لكن، عندما توقفت السيارة أمام المدخل، أصبحنا عاجزات عن القيام بأدنى حركة. وكل واحدة تحاول إخفاء دموعها وكتمان حزنها. وحين رفعتُ بصري نحو بيتنا القديم الذي لم يتغير فيما يبدو- نفس الشرفة والشجرة العتيقة، ونفس النوافذ في غرفة النوم المطلة على العذراء الحاملة الطفل في دير الدومنكيين المعانق للسماء الزرقاء- أحسست بأن سنوات الفراق قد صعقتني، فأخذت أرتعش من الانفعال".
أمام إصرار والدتها على ولوج المنزل، تطارحت سيرين مع القارئ عبر صفحاتها مشاعرها وتساؤلاتها في تلك اللحظات، قائلة "بينما كانت أمي تتابع حكيها، توارى انفعالي الحاد ليخلفه شعور إعجاب عميق بشجاعتها الهادئة. وقبل أيام كنا سمعنا حديثا عن زيارة مماثلة قام بها طبيب فلسطيني لمنزله القديم بالقدس. وقد زوّروه الغرفة التي كانت لطفلته الصغيرة، والتي لم تتغير عما كانت عليه في أيام الهناء التي رحلت. توفيت ابنته أخيرا فأحس بانفعال قوي وهو يزور غرفة طفولتها. وفي نفس الليلة تعرض لأزمة قلبية. فهل كان عمر أمي وحالتها الصحية الهشة يمثلان نوعا من صمام الأمان الذي يتيح لها أن تتحمل أفضل منا، مثل ذلك الأسى؟ مهما يكن، فإن موقفها قدم لنا نموذجا، وجعل ما تبقى من إقامتنا في القدس أكثر احتمالا… كنت أذهب لاستكشاف المدينة التي أحببتها كثيرا والتي حرمت منها أمدا طويلا. في كل ركن من الشارع كانت مظاهر الاحتلال العسكري الإسرائيلي تقفز إلى بصرنا، وعند كل ركن كان الماضي يعاود الانبثاق. وكان انفعالنا جد قوي فكنا بالكاد نتبادل بضع كلمات. إذا ما حاولنا الكلام، فإنه يصعب التحكم في حزننا؛ فكان الصمت دفاعنا الأفضل. كنا نحس أيضا بأنه لا يوجد وقت نضيعه، وأن علينا أن نتشرب ما أمكن، تلك الذكريات الثمينة وأن نخبئها في عمق أفئدتنا. وكل ثرثرة كانت ستلهينا".
تعود سيرين بقارئها إلى نقطة البداية؛ الغلاف.. تلك الصورة التي انتقتها من بين إرث الصور كله لتكون واجهة كتابها، والتي تضم أربع نسوة من أجيال مختلفة، لتقول عنها "إن بعض الشذرات من حياتنا، قديما، في فلسطين تتحول، بعد عدة سنوات كنوزا ثمينة. ذات يوم غير بعيد من الآن، بينما كنت أتهيأ للتخلص من حقيبة عتيقة رافقتني في أسفاري عبر العالم، أخذت أتأكد من أنني لم أنس شيئا بداخلها. ومن زاوية أحد الجيوب الممزقة استخرجت غلافا أنهكه الزمن. فتحت الظرف فوجدته يحتوي على صورة باهتة قليلا لمجموعة أشخاص. تعرفت مباشرة على البنت الصغيرة في وسط الصورة: إنها أنا، في الثانية من عمري. وحولي، جدتي زليخة وأمها أسماء وأمي نعماتي… وبعد الاستسلام لدفق من الذكريات، تساءلت: ما الذي توحي به هذه الصورة لأربعة أجيال من الفلسطينيات؟ بالنسبة لجدة أمي كان العالم ينحصر في القدس وفي أزقتها الملتوية. وهي قلما كانت تبتعد عن جدرانها. غير أنها كانت ولا شك، ملكة داخل بيتها، تعيش في مدينتها ووطنها. لم تكن تشك لحظة واحدة في هويتها ولا في الأرض التي تنتمي إليها وتملكها. كانت حياتها وموتها موجودين في كل لا يتجزأ يمنحها الأمان الذي يحتاجه كل إنسان. أما ابنتها زليخة التي كانت حياتها أيضا هادئة مع انفتاح أكثر على العالم، فإنها لم تعرف مصاعب إلا في العشرين سنة الأخيرة من حياتها عندما أرغمتها حوادث فلسطين على المنفى. وقد توفيت وسط حرارة الصحراء وهي في طريقها من بغداد إلى القدس. واليوم، هي ترقد في قبر منعزل بإحدى مقابر بغداد. وعلى رغم معرفة قليلة بالقرآن، فإن جدة أمي وجدتي، كانتا أميتين. في حين أن أمي كانت تتكلم أربع لغات. أما أنا، فقد حصلت على إجازة جامعية وسافرت عبر أنحاء العالم. لكنني لا أتردد في القول بأن فترة جدة أمي أسماء كانت أسعد من الفترة التي أعيش فيها: إنها لم تعرف أبدا مصير اللاجئين، ولم ترغم أن تبحث عن بلد يؤويها، ولم تستجد جواز سفر ولا عاشت متطلعة دوما إلى هوية لا يلفها التباس…. أعتقد أن التغيرات الحاصلة ما بين ميلاد جدة أمي في أول القرن التاسع عشر، والفترة التي أعيش فيها، أي بعد قرن من الزمن، قد حصلت تغيرات لا نظير لها في التاريخ".
بعد فيض الألم العارم كله، ختمت سيرين كتابها بحب وحنان وألم على قدس عربية خُطِفت من أهلها بلمح البصر، لتطرح ضمنيا السؤال القديم الجديد الذي لا ينفك الشعب الفلسطيني برمته يطرحه أمام الضمير العالمي: بأي ذنب قُتِلت تلك الذكريات كلها؟ وبأي ذنب استولى لصوص الإنسانية على كل ذلك الإرث الحضاري والاجتماعي الموصوم من ألفه إلى يائه بالكنعانية العربية، لا الصهيونية التي لا هم لها في هذا الكون سوى هدم اللذات وقض المضاجع والتلذذ بإراقة الدماء.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























