رسام الكاريكاتير البرازيلي كارلوس لطوف: يملك الإسرائيلي قتل الفلسطيني وليس تركيعه

كتبهارشا عبدالله سلامة ، في 10 تموز 2009 الساعة: 22:26 م

 
حاورته: رشا عبدالله سلامة
 
     مطوقا بمعجبيه المتلهفين للتواصل معه، ومتلفعا بالكوفية الفلسطينية التي يتمثل رمزيتها النضالية عبر أعماله الفنية ومواقفه الوطنية، يقف رسام الكاريكاتير البرازيلي كارلوس لطوف قبيل إحدى الفعاليات الثقافية التي أقيمت في الأردن لإحياء الذكرى الواحدة والستين للنكبة الفلسطينية .
 
بانفعال بالغ وعاطفة جياشة حيال كل ما هو مرتبط بفلسطين من فعالية أو نشاط، حرص لطوف على إجراء الحوار التالي معه، ليجيب فيه على معظم الأسئلة التي تراود جمهوره العربي، الذي قلما من بينه من لم ير رسوماته وإن لم يعرف هوية صاحبها في أحيان:
 
 
- كيف كانت بداية كارلوس لطوف في تكريس فنه الكاريكاتيري لمناصرة القضية الفلسطينية؟ وهل كان لجذوره اللبنانية أثرا في ذلك؟
 
 كثيرون يربطون تحمسي للقضية الفلسطينية بكون جدي كان سائحا لبنانيا للبرازيل في ثلاثينيات القرن الماضي، لتنفد نقوده هناك وليستقر ويتزوج من سيدة برازيلية ولأكون فيما بعد حفيدا له، غير أني لم أقابل جدي الذي رحل قبل ميلادي.
أجد ذاتي متحمسا للقضية الفلسطينية لأنها إنسانية بامتياز، ولأن لها خصوصية تفوق أية قضية إنسانية أخرى.
و لعل البدء كان عندما رسمت للمرة الأولى رسما كاريكاتيريا في العام 1998 عن معاناة الفلسطينيين مع الاحتلال الإسرائيلي، ما حدا المركز الفلسطيني للسلام والديموقراطية في رام الله إلى دعوتي، لأرى مآسي الاحتلال على أرض الواقع.
وعندما ذهبت إلى فلسطين، راعني ما رأيت، وخصوصا في مدينة الخليل التي يعيش على أرضها أهاليها الفلسطينيون إلى جانب المستوطنين، وبالمناسبة مرخص لهؤلاء المستوطنين اقتناء السلاح رسميا لمحاربة الفلسطينيين، برغم ادعائهم عندما قابلت منهم أناسا بأنهم يدافعون عن أنفسهم.
وكنت كذلك تحدثت إلى الفلسطينيين في أماكن عدة؛ في الطرق والمقاهي والمنازل، بيد أن موقفا تعرضت له حسم قناعتي بالحق الفلسطيني. كان ذلك عندما قابلت رجل خمسيني وقور استضافني في منزله، وبدأ يتحدث لي عن ويلات الاحتلال الإسرائيلي، وإذ به ينادي ابنته المحجبة ويكشف لي عن ظهرها ليريني الحروق التي سببتها لها قنابل المستوطنين اليدوية التي رموها على منزله وعائلته، ولكِ أن تتخيلي موقف رجل برازيلي يعلم مدى حساسية العرب والمسلمين من موقف كهذا، عندما يرى والد الفتاة يريد برهنة حجم الظالم الواقع عليه وعلى عائلته وعموم الفلسطينيين، فيكشف لي عن ظهر ابنته المحجبة المليء بالحروق.
وما كدت أستوعب الصدمة حتى فتح لي محفظته وأخرج منها أسنانا مهشمة، ليقول لي بأنها بقايا أسنانه التي هشمها مجند إسرائيلي بعقب بندقيته بعد أن تحيز بالطبع للمستوطنين في اعتدائهم على الأسرة المسكينة. ولعل ما أدمى قلبي هو قول الرجل لي بأنه يحتفظ ببقايا أسنانه المهشمة حتى يتذكر ضرورة دحر الاحتلال في كل يوم يمر عليه. وكنت وعدت الرجل يومها بأن أنقل معاناته للعالم، وكم أتمنى رؤيته مجددا، بيد أن الإسرائيليين يمنعونني حاليا من زيارة فلسطين بعد رواج رسوماتي الكاريكاتيرية المناهضة لهم عالميا.
 
 
برغم ذلك، دعني أسألك: لماذا القضية الفلسطينية تحديدا دون غيرها من القضايا السياسية العالمية العالقة؟
 
لا أذيع سرا عندما أقول لكِ بأنني كنت في البداية متحمسا للقضية الفلسطينية لدوافع إنسانية بحتة، غير أنني لا أنكر حاليا وقوعي في غرام كل ما هو فلسطيني، أشعر في أحيان بأنني أتوق لاحتضان الفلسطينيين جميعا من شدة إيماني بقضيتهم وصبرهم على معاناة الاحتلال والمنفى. إلى جانب حبي الشديد للشخصيات الفلسطينية النضالية ومنهم الفدائية ليلى خالد التي التقيتها في البرازيل ورسام الكاريكاتير ناجي العلي الذي أعشقه وأفخر بأن يربط البعض منهجيتي في الرسم به.
ومن كثرة ما قرأت وشاهدت وسمعت عن المأساة الفلسطينية أشعر في أحيان كثيرة بأنه لم يعد بوسعي احتمال المزيد من ذلك، لشدة ألمي لمعاناة هذا الشعب.
أرسم كاريكاتيرات لمطبوعات خاصة باليسار البرازيلي وأعتاش منها، غير أني أرفض إطلاقا أن أتقاضى شيئا عن رسوماتي لفلسطين، لأنني أرى بأن ذلك من واجبي ومن واجب كل صاحب ضمير حي، كما أرحب بنشر رسوماتي عن فلسطين في أي موقع يرتأيه الفلسطينيون وأصحاب الضمائر الحية وبلا أي مقابل مادي أرجوه منهم.
 
 
  
- هل يواجه لطوف محاربة من اللوبي الصهيوني والرأي العام الإسرائيلي والغربي؟
 
 بداية لابد من الإقرار بأن الإعلام الغربي يناصب المسلمين والعرب العداء، لأسباب عدة منها السيطرة الصهيونية عليه، وانصياعه لها إما لأهداف سياسية أو تجارية؛ لذا فإنه من نافلة القول أن تنشأ عداوة ضارية بين هذه الوسائل الإعلامية وبين أي مناصر للقضية الفلسطينية.
كما ذكرت، الإسرائيليون يمنعونني حاليا من زيارة فلسطين، إلى جانب حملات التشهير التي يشنونها ضدي بطرق مختلفة، منها الهجوم الضاري عليّ عبر مواقعهم على الإنترنت، وما يسوقونه من اتهامات عني بأنني "معادي للسامية" و"نازي"، إلا أن ذلك كله لا يهمني لأن الشيء الوحيد الذي أوليه اهتمامي حاليا هو مساعدة الفلسطينيين، إلى جانب أنني لطالما أكدت بأنني لست ضد اليهودية كديانة، إلا أنني ضد الصهيونية واستخدامها بعض اليهود كوسيلة عندما تأتي بأحدهم من روسيا مثلا وتقنعه بأن فلسطين له لأن ذلك ورد في الكتاب.
لقد رأيت يهودا كثر يتصدون في المظاهرات العالمية لحماية الفلسطينيين ومناصرتهم، لأنهم غير راضيين عما تفعله إسرائيل بهم، ولأنهم مؤمنون بأن فلسطين من حق أهلها، وبأنها مكان للتسامح الديني لا الصراعات.
قبل الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين كان اليهود يعيشون بين المسلمين والمسيحيين في أمان، ويمارسون طقوسهم الدينية كما يريدون ومن غير أية مضايقات، لذا فإن المشكلة ليست في اليهودية بل في الصهيونية، وبسبب ذلك أيضا أرفض وصف ما يجري في فلسطين بأنه صراع أديان، لأن الأديان كانت تتعايش فيها بسلام قبل أن تتدخل الصهيونية.
الشيء الذي أود قوله أن الإسرائيليين يملكون أن يطلقوا النار على رأس رسام الكاريكاتير كما حدث مع ناجي العلي مثلا، غير أنهم لا يملكون قتل فنه، تماما كما يستطيعون قتل الفلسطيني، بيد أنهم لا يقدرون على إجباره على الركوع.
 
 
 
-كيف تقيّم فاعلية رسوماتك في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي وفضح ممارساته حيال الفلسطينيين؟
 
قبل أن أجيب على سؤالكِ، دعيني ألفت نظركِ إلى ردود الفعل العالمية التي تفاعلت إبان الحرب الأخيرة على قطاع غزة، مقارنة بمجازر أخرى اقترفها الإسرائيليون بحق الفلسطينيين سابقا كاجتياح مخيم جنين في العام 2003 مثلا.
لم يعد بإمكان الإسرائيليين الاستمرار في ادعاءاتهم التي كانت تنطلي على الرأي العام العالمي سابقا؛ فبالقدر الذي يتآمر فيه الإعلام الغربي على القضية الفلسطينية، فإن هنالك من وسائل التعبير الأخرى إعلاميا وفنيا ما بات يفضح الكذب الإسرائيلي.
يوما بعد يوم ستتعرى حقيقة إسرائيل أمام العالم، حتى أمام أولئك المناصرين لها، و سيقفون جميعا وقفة حرجة مما يجرمونه بحق الفلسطينيين، لا سيما وأنهم سيعدمون الحيلة في صوغ مزيد من الادعاءات والكذب كرغبتهم حفظ أمنهم والدفاع عن أنفسهم.
ما أرنو لقوله، هو أن جهود مؤازرة الفلسطينيين باتت تؤتي أُكلَهُا حاليا، محدثة تغييرات جذرية في ردود الأفعال العالمية، ولعل الرسومات الكاريكاتيرية واحدة من بين تلك الجهود.
شخصيا، أؤمن بأن الرسم الكاريكتيري يملك قوة تأثير بالغة، لأنه يتخطى عوائق اللغة والجغرافيا والخلفيات الفكرية. وكم كنت أتيه فخرا، وتزداد قناعاتي رسوخا بأن الفن سلاح في وجه التحرر من المحتل، عندما كانت رسوماتي تُرفَع عاليا في المظاهرات العالمية المؤازرة للفلسطينيين.
 
 
  
- يتعجب البعض من تحيزك لحركات المقاومة الإسلامية كحركتي حماس وحزب الله، رغم انتمائك لليسار البرازيلي، ما هي قناعاتك بهذا الشأن؟
 
 لابد من التنويه إلى أن اليسار البرازيلي مختلف عن اليسار الألماني مثلا، إذ إن 100 % من اليساريين البرازيليين  يناصرون الفلسطينيين، فيما الألمان مثلا ما تزال لديهم عقدة الذنب، غير أنه لابد أيضا من التنويه إلى أن القضية الفلسطينية هي قضية الاتجاهات كافة، اليمينية منها واليسارية. مثلا لا يمكنني بأي حال، رغم أني غير متدين إطلاقا، من أن أنكر بأن حركتي المقاومة الإسلامية حماس وحزب الله صمدتا في وجه العدوان الإسرائيلي واستطاعتا إثبات وجودهما رغم كل المساعي الإسرائيلية لاقتلاعهما.
كما أن تعامل الولايات المتحدة مع المسلمين في بقاع العالم كافة وخصوصا في أعقاب الحادي عشر من سبتمبر، لا يمكن أن يكون مُرضِيا لأي شخص يملك حسا إنسانيا؛ لذا فإنني كصاحب موقف إنساني أدافع عن أي طرف مظلوم متدينا كان أم يساريا، بغض النظر عن ميولي السياسية.
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر