“باب الشمس”: الفلسطيني بعيون إخوته !
كتبهارشا عبدالله سلامة ، في 22 حزيران 2009 الساعة: 09:50 ص
رشا عبدالله سلامة
"يبكي ويضحك.. لا حزنا ولافرحا".. تماما كما الحالة النفسية المتأرجحة التي تصفها كلمات أغنية فيلم "باب الشمس"، المأخوذ عن الرواية التي تحمل نفس الاسم لكاتبها اللبناني إلياس خوري، فإن ذات الحالة لا تلبث تنسحب على ردة فعل من يتأمل في هذا العمل الأدبي الذي حظي في نهاية العقد الماضي بحفاوة بالغة.
الحالة الآنفة أفرزتها مواقف خوري المتباينة في ثنايا الرواية؛ إذ لهنيهة كانت تنتحب كلماته على تهجير الفلسطينيين من قراهم في العام 1948، إلى حد يطلق فيه على النكبة اسم "الطرد الكبير"، فيما لا يفتأ يجلد الضحية حتى يدميها، عندما يلوم الفلسطينيين -على ما يصوره- تركهم بلادهم واللجوء للدول المجاورة لها، مسبغا الانطباع بأنهم هم من استسلموا لسقوط القرى من غير أن يطلقوا رصاصة واحدة، وبأنهم بقوا أسيري حكاياتهم المتوارثة وحبيسي دور الضحية من غير أن يحاولوا فعل شيء!
يسرد خوري في روايته حكاية بطل كان يتسلل من مخيم لجوئه في لبنان إلى الجليل الفلسطيني، كي يلتقي زوجته في مغارة لم يدنسها الاحتلال وليسميها بعد ذلك "باب الشمس"، فيما هو يعود بعد ذلك لمتابعة عمله الفدائي في المنفى، وهكذا دواليك، مع ما تتخلله الرحلة من مخاطر ومراحل للنضال والشتات الفلسطيني.
اختار خوري لحظة اقتراب النهاية كي يستهل بها قصته، عندما بدأت روايته بالغيبوبة التي يدخل بها البطل بتأثير كهولته، وليتولى أحد المناضلين الأربعينيين (الدكتور خليل) شأن العناية به في مستشفى بائس في المخيم بعدما تلقى دورة طبية لأشهر في الصين، عندها يبدأ الدكتور بسرد حكايته وحكاية المناضل معا، مدعيا أنه يفندها ويسعى لمكاشفة ذاته والمناضل بحقيقتها ومسمياتها الواقعية، كوسيلة لتزجية الوقت ولمحاولة تنشيط دماغ المناضل الذي يغرق في الكوما.
عن طريق هذه الحيلة الأدبية الذكية جمع خوري قصصا كثيرة عن النكبة الفلسطينية وإرهاصاتها وتداعياتها، وعن رحلة الثورة الفلسطينية، منوها أنه استعان في روايته بقصص كثيرة للاجئين فلسطينيين وبمذكرات مناضلين وسياسيين من تلك المرحلة، غير أنه لم يلبث أن مزج هذه التفاصيل كلها بوجهات نظره وتحليلاته التي كانت تسطّح البطولات الفلسطينية على مدار سنوات القضية حتى تسفهها تماما في لحظات.
يستنكر خوري على الفلسطينيين البسطاء العزّل أنهم لم يقاتلوا -بحسب قوله- إبان نكبة 1948، غير أنه ربما لا يعلم بأن الانتداب البريطاني كان يعدم حينها أي فلسطيني تثبت في حوزته سكين وليس بارود فحسب، عدا عن تضييق الدول العربية الخناق في ذلك الحين على التسليح الفلسطيني الذي كان يسافر الثوار لاستجدائه منهم، ما حدا كل قرية فلسطينية لتسليح نفسها بالخفية ببضعة بنادق متواضعة كانت أقصى ما يمكن تهريبه والقتال به.
ونسي خوري كذلك رغم محاولته رسم صورة كاريكاتيرية لجيوش الإنقاذ العربية التي هرعت لمساعدة فلسطين حينها، نسي أن كثير من تلك الجيوش كان لها الباع الأطول في دفع الفلاحين لترك قراهم، إلى جانب إرهاب العصابات الصهيونية التي انقضّت عليهم، ومن بين أبرز الشخصيات الجدلية في هذا الصدد فوزي القاوقجي الذي أتى خوري على ذكره من غير أن يوضح بأنه من أشهر من اتهموا بالخيانة والعمالة وإجبار الفلسطينيين على ترك قراهم بحجة أنه سيخوض معارك حامية الوطيس بها مع الصهاينة .
وعلى الرغم من تعريج خوري على المذابح التي حاقت بالفلسطينيين العزل في ذلك الحين، إلا أن جل همه انصبّ على انتقاد خروجهم من فلسطين، على الرغم من اضطراره لذكر الحقيقة في كثير من المقاطع بأن الصهاينة كانوا يجمعون الفلسطينيين في ساحات القرى لتصفيتهم ولترويع القسم الباقي منهم كي يفروا بجلودهم من القتل.. تغاضى خوري عن كل ذلك، وسفّه مشاعر الفلسطينيين وحسراتهم وبات يستهزأ على لسان الدكتور خليل من توارث الأجيال الفلسطينية لحكايات النكبة وشرائط الفيديو التي استطاع بعض من فلسطينيي المخيمات اللبنانية تصويرها لقراهم عندما تسنت لهم زيارتها، معتبرا أن الفلسطينيين استسلموا لواقعهم ولم يعودوا يريدون من الوطن سوى هذه الحكايات والشرائط التي يتناقلونها فيما بينهم، متهما إياهم بأنهم يلقون باللوم فقط على الخيانة العربية لهم، فيما هم لم يفعلوا شيئا لإنقاذ أنفسهم..
الميدان اللبناني كان الأشرس على الفلسطينيين ليس تاريخيا فحسب، بل و من قِبل خوري أيضا؛ إذ برغم اعترافنا كفلسطينيين بحجم الأخطاء التي ارتكبتها الثورة الفلسطينية هناك كأي ثورة قد تخطأ وتصيب، إلا أن خوري استخف بآلام الفلسطينيين وأحزانهم حتى تلك المتعلقة بمذبحة صبرا وشاتيلا عندما ساق أسبابا لبنانية لها على لسان أحد الصحفيين ومنها مقتل بشير الجميّل، ولتصل به الأمور إلى حد التحدث بتندر عن المقبرة الجماعية التي أقيمت لضحايا المذبحة والتي تحولت فيما بعد إلى ملعب كرة قدم لأطفال المخيم. هنا لم يذكر خوري أن السبب في ذلك ليس لأن الشهداء لم يعودوا يهمّون الفلسطينيين، بل لأن لبنان تسجن الفلسطينيين في مخيمات هي أقرب لزرائب الحيوانات، عدا عن خطط بشير الجميل حيالها، عندما قال ذات مرة "سأسعى لتحويل المخيمات الفلسطينية إلى ملاعب للتنس وحدائق للحيوانات".
لاشك، بأن خوري تمكن من تجميع قصص كثيرة عن النكبة الفلسطينية، كما استطاع توثيق كثير من حكايات اللجوء بأسماء شخصياتها وأعمارهم وأسماء قراهم ومخيماتهم، كما تمكن من تسجيل عدة اضطرابات نفسية أصابت كثير من اللاجئين الفلسطينيين كحمى الأزهار ومن بينهم جدة الدكتور خليل التي كانت تجمع الأزهار في كيس مخدتها في المخيم إلى حد تعفنت فيه تلك الأزهار بينما هي تحتضنها وتورثها لأحفادها لأنها تشم فيها رائحة زهورها التي كانت يوما ما في الجليل، إلى جانب حمى العودة التي دفعت بفلسطينيين كثر لاجتياز الحدود اللبنانية- الفلسطينية في مطلع الخمسينيات للعودة إلى قراهم رغم علمهم بأنهم سيكونون فريسة للدوريات الإسرائيلية. برغم ذلك فإن خوري ومن خلال تشكيكاته المتناثرة في زوايا الرواية ومن خلال تحليلاته هدم كل التوثيق الذي بناه وعمل عليه، عندما كان يشكك على لسان الدكتور خليل بكثير من روايات اللجوء الفلسطيني والمقاومة الفلسطينية، ولعل من أبرزها المقطع الذي شكك فيه بمصداقية أهالي المخيم عندما اتصلوا بمكتب وكالة الأنباء الفرنسية في لبنان إبان حصار بيروت للحديث عن استفتائهم إحدى الشخصيات الدينية بجواز أكل لحم الضحايا بعدما نفد حتى لحم القطط والكلاب من المخيم إثر حصاره.
وعلى الرغم من كون المخرج المصري يسري نصر الله تجنب تنظيرات خوري الآنفة عندما حوّل "باب الشمس" إلى فيلم بجزئين، مكتفيا بقصص النكبة التي حفلت بها الرواية، إلا أن "باب الشمس" -كعمل أدبي- فتح الباب على مصراعيه لجدلية التعاطي العربي مع رواية النكبة ككل؛ فمن جهة تعزف بعض الدول العربية عن الاقتراب من هذه الحقبة الفلسطينية تجنبا لمكاشفتها بأي تقصير في الدفاع عن فلسطين أو التورط في مأساتها بشكل أو آخر، فيما أخرى تبرّأ نفسها براءة الذئب من دم يوسف من أي يد لها في المأساة، فيكون الحل الوحيد حينها وضع الفلسطينيين المغدورين العزّل كشماعة للأخطاء التاريخية العربية التي أودت بفلسطين في غياهب الهاوية، معتمدين على أن الأصوات الفلسطينية التي كانت يوما ما تؤرخ للنكبة كغسان كنفاني قد أفلت، إلى جانب أن لا موقف رسمي
فلسطيني "مصحصح" يتصدى للرد على هذه الاتهامات المجانية والتشكيكات التي باتت تتزايد إلى حد أتخمت فيه المتابع؛ فتارة يتحدثون عن الفلسطيني بأنه أساس كارثته ومأساته وبأنه مجرم وعميل وبائع، وتارة يكون السبب المباشر في مآسي الشعوب العربية الأخرى، وتارة ثالثة يكون سببا في أي مأساة أو كارثة تقع في بقاع المعمورة !!
وفي هذا المقام يجدر التنويه إلى أن الفلسطيني لا يقف ضد انتقاد أخطاء قيادته على مدار السنوات، بل هو يسعى للإفادة من تلك الانتقادات لتجنب أي مزالق جديدة، كما لا يدعو لوضع شخصيته وروايته في برج عاجي لا يُطال بنقد أو مراجعة، ولكن لا وألف لا لمن يشبحون الضحية على كرسي تعذيب حقيقي وإعلامي لتحميلها مزيدا من الأعباء النفسية والجسدية؛ إذ حينها لن تكون حالة الفلسطيني بأبعد من حالة فتاة مغتَصبة يلومها من حولها على الجريمة التي اقتُرِفًت بحقها بدلا من لوم الجاني.
مراجعة التاريخ ضرورة حتمية لا شك في ذلك، ومراجعة التاريخ النضالي الفلسطيني ضروري أيضا في سياق نقده البنّاء، بينما التكذيب أو التشكيك في أية جزئية من تاريخ النكبة الفلسطينية لاسيما عندما يكون أفرادها هم المدنيون العزل، حينها فإن حكم المراجعة أخلاقيا هو الحرمة القطعية؛ ذلك أن احتلال الوطن استثناء كما عبّر ناجي العلي ذات مرة، ما يجعل من قوانين الطبيعة والمنطق المعروفة غير صالحة للاستعمال في ظرف غير طبيعي، إذ حين تعود فلسطين فلسطينية حرة فمرحبا حينها بكل من يود التمحيص والتشكيك وتجريب نظريات الحداثة الأدبية وغيرها من المصطلحات العولمية الفضفاضة.
لربما اللامسؤولية هي التي تقف وراء الخطاب العربي التسطيحي للمأساة الفلسطينية؛ إذ إن من يستخف بجدية الخطاب الذي يقدمه عن القضية يسهم عن قصد أو غير قصد في مقتلها؛ فالمتربصون من الشق الإسرائيلي يتحيّنون اصطياد ثغرة في روايتنا لجرائمهم الدموية، ليدّعوا بأن الرواية متهافتة ومختلقة من قِبل الفلسطينيين والعرب، وبالتالي تُصوّب فوهة البندقية نحو الفلسطينيين للمرة الألف من قِبل إخوتهم العرب قبل عدوهم الإسرائيلي..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























