سبعة أيام في فلسطين
كتبهارشا عبدالله سلامة ، في 1 نيسان 2009 الساعة: 14:49 م
رشا عبدالله سلامة
لم أؤمن يوما بأن إيداع الأمنيات في ثنايا البحر، يحققها بكل تلك السرعة، لاسيما عندما يكون البحر هو الميت، وتكون الضفة الغربية المحتلة هي وجهة الأمنيات.
ولم يجل بخاطري أن أشواقي التي رددتها على ضفة البحر الميت بكلمات الشاعر الفلسطيني الراحل توفيق زيّاد عندما قال "شوق التراب لأهله في الضفة الأخرى"، لم يجل بخاطري أنها ستروي ظمأي في أقل من أسبوع، لأعانق بقلب مفتوح على مصراعيه تفاصيل وطن لطالما حلمت به و بذرته في عنقي قلادة تبرمج نبضي.
الخميس ليلا، الموافق التاسع عشر من آذار من العام 2009، جاء صوت رئيس اللجنة العربية لاحتفالية القدس عاصمة الثقافة العربية إسماعيل التلاوي، معبقا بالشجن من رام الله.. هاتفني ليقول لي "في الثامنة إلا ثلث صباحا كوني منتظرة على باب فندق كراون بلازا، كي تصحبك والوفد سيارات السفارة الفلسطينية إلى فلسطين.. و اتركي الباقي والتفاصيل علينا".
تجمدت الكلمات.. وأحسست بأوداجي تتدفق دما حارا.. هرعت نحو عائلتي المتحلقة في غرفة الجلوس.. نظرت في وجوههم ثم هممت بالصراخ والرقص و القفز بلا وعي في جنبات المكان.. بينما هم ينظرون إليّ بذهول، لألثم بعدها الأرض ساجدة لله فيما كنت أبكي وأضحك في الوقت ذاته. أمسكتني أمي بهدوء، وسألتني مرارا "ما القصة؟"، أجبتها بارتعاد تلك الإجابة التي عشت أحلم بها "غدا سأسافر لفلسطين".
عقدت المفاجأة لسان عائلتي، والداي لم يتحمسا للفكرة، لا لشيء، بل لأنني سأذهب للمجهول بحسب قولهما.. فسّرا لي قلقهما، قائلين "لم تذهبي هناك من قبل، و لا تعلمين شيئا عن حجم المعاناة الموجودة.. وليس مضمونا بعد أن الفعاليات منظمة، وأنك ستستطيعين الوصول لقريتنا المقدسية أبو ديس".
لم يكن لدي وقت للحديث والجدل، عاجلتهم قائلة "لو كلفتني الرحلة عمري ثمنا سأذهب، ومهما كانت العواقب والمخاطر".. صوت داخلي ظل يردد في أعماقي "لا خوف على من يذهب لحضن وطنه، فهو كمن يذهب وديعة عند الله".
مرت الساعات بطيئة ثقيلة حتى انبلاج الصبح. رتّبت ملابسي على عجل، ليتبيّن لي لاحقا بأني نسيت معظمها في خضم ذهولي.. غفوت في الثالثة والنصف صباحا، واستيقظت بهلع في السادسة والنصف.. استعجلت والديّ سريعا ليقلاّني إلى كراون بلازا.. كنت أسابق اللحظات.. حتى حانت اللحظة التي مضت بها "جيبات" السفارة إلى جسر الملك حسين.
في الطريق اكتشفت أني لا أملك غير صورة شخصية واحدة قديمة، بينما المطلوب صورتان. قال لي السائق "الله يستر ما يعملولنا مشكلة"!!
التهب قلبي خوفا، بيد أني طمأنت نفسي بعبارتي إياها "لاخوف على من يذهب لحضن وطنه، فهو كمن يذهب وديعة عند الله".. مضت تلك اللحظات، على الحدود بين الأردن وفلسطين، بقلق وترقب وخوف، وكدت أسمع حينها نبضي من شدة تسارعه.
أخيرا.. مضينا نحو فلسطين، وكنت ألتقط أنفاسا عميقة لأهدأ من روعي، غير أن صدمتي الأولى كانت عندما وقفنا على نقطة الحدود الفلسطينية، وإذ بأعلام الكيان الإسرائيلي تنتصب في كل ركن، وإذ بالإسرائيليين يتوزعون في كل جنب، بحديثهم العبري وقبعاتهم القميئة ومجنّديهم الذين تفوح منهم رائحة الحقد والعنصرية.. لم أستطع لحظتها استيعاب الموقف، كنت أتلفت يمنة ويسرة لأرى ولو علما فلسطينيا واحدا !! وكنت أسأل ذاتي: ألسنا قادمين بتصريح فلسطيني لزيارة الأراضي الفلسطينية الواقعة تحت حكم السلطة الفلسطينية؟
تمت إجراءات دخولنا بيسر، تحت مسمى وفد رسمي، غير أني كنت أحدق في عيون أعضاء الوفد معي لألتمس تفسيرا، فلم أر غير عيون تفر من بعضها ارتباكا، حتى تمركزت أمام ناظرنا نجمة داوود كبيرة على تلة مقابلة لمخرج الحدود.
حبست أنفاسي ترقبا للدقائق القادمة عندما استقلينا حافلات صغيرة إلى أريحا.. وما هي إلا دقائق حتى رفرف العلم الفلسطيني عاليا، لتطوقنا الكوفيات الفلسطينية من قِبل منظمي الاحتفال وأعضاء من وزارة الثقافة الفلسطينية.. حينها أسلمت نفسي لنسيم أريحا غير مصدقة ما يحدث.. كنت أتحسس وجهي كل دقيقة وأربّت على وجنتيّ لأتأكد من كوني لا أحلم !
هرعت كاميرات التصوير الفوتوغرافي والتلفزيوني لالتقاط الصور والمشاهد لنا، بينما أخذت مكانا قصيا هائمة على وجهي، حتى ذهبنا جميعا لبلدية أريحا.. وعندما جلسنا هناك لسماع كلمات الترحاب، كنت أمسح بكفي على كل حجر أمرّ عنه، وعلى كل مقعد وغصن. وفي غضون لحظات، لم أشعر بدموعي إلا وهي تنهمر بلا هوادة، حينها انسحبت خارج المبنى وأجهشت في بكاء مرير بينما كنت أتأمل نخيل أريخا وعذوبة هوائها وسمرتها الساحرة.
وبين أعمدة التاريخ المترامية، مشينا جميعا نتخلل أطلال قصر هشام الرابض في قلب الأرض منذ العصر الأموي. وكنت أسأل ذاتي: ماذا لو كان هشام بن عبد الملك ما يزال حيا ليرى ماذا حل بفلسطين؟ وقبل أن أخمّن الإجابة، وقعت عيناي على شجرة الحياة المنقوشة بالفسيفساء في إحدى قاعات القصر المتبقية، والتي تختزل بنقوشها صراع الخير والشر منذ بدء الخليقة.. حينها ضجّ قلبي بالدمع، وكدت أجزم بأن كل من سكن هذه الأرض من عرب ومسلمين كان يتوجس خيفة من جمالها وسرها الديني، إلى حد يتكهن فيه بأن قوى الشر لابد وأن تشتهيها فتغرس أنياب الاغتصاب القذرة في جسدها الغض.
مضينا بعدها للكلية الأمنية التابعة لحركة فتح، ذُهلت من فخامتها، وعلمت لاحقا أن دولا تبرعت بتكاليفها، غير أن استياء عارما أصابني عندما كان مبرر الزيارة من قِبل المنظمين هو دحض ادعاءات من يقولون بأن عناصر فتح يتلقون تدريبهم على أيدي الإسرائيليين.. شممت رائحة الحديث الذي كنت متخوفة من سماعه منذ علمت بأني سآتي لفلسطين: حديث الانقسام الفلسطيني.. هرعت خارج المبنى كي لا تتبدد شاعرية الموقف بالنسبة لي على الأقل.
استقلينا الحافلات مجددا نحو مقر الإقامة الذي سيكون، نحو بيت لحم. وصممت أن أجلس إلى جوار السائق أشرف، الذي خلته إسرائيليا منذ قاد بنا المركبة على الحدود الفلسطينية.. كم كان مقدسيا لطيفا عندما رفع نظارته الشمسية وضحك لحظة سؤالي له: هل أنت فلسطيني؟، ليحدثني بعدها ببراءة طفولية عن هديته لوالدته وخطيبته في عيد الحب، وليربط حديثا آخر بذات البراءة والعفوية عن معاناة الفلسطينيين تحت نير الاحتلال لاسيما المقدسيين منهم.
أخبرته بأن أصلي من أبو ديس، وإذ به بعد أن مضى بنا عبر طريق وعر قاس اسمه وادي النار، يقول لي: نحن الآن في قرية العيزرية، وما كدت أربط حديثا قاله لي والدي ذات مرة بأن العيزرية ملاصقة لأبو ديس، حتى عاجلني قائلا: نحن الآن في أبو ديس.. في لحظات حدقت في المكان مذهولة وأغمضت عينيّ بكفيّ، ولم أشعر بأناملي إلا وهي تلطم عيوني ووجنتيّ.. انسابت دموعي من رهبة المشهد الأول لقريتي.. لقد رأيتها شاحبة حزينة يقسمها جدار إسمنتي مرعب.. أحسست لحظتها أنني كعاشقة انتظرت دهورا لتلاقي معشوقها الوسيم، فإذ بها تراه بذات الوسامة الأصيلة، غير أن الزمان قد جار عليه، فغدا مقعدا مبتور الأطراف.
نزل الوفد من الحافلات لرؤية مدخل جامعة القدس في أبو ديس، وشعرت بقدمي لا تقويان على الحراك، فبقيت في مقعدي حتى رجتني زميلتي الإعلامية حنان الشيخ أن أقف لدقائق على أرض أجدادي. رفضت وقلت لها: لا أستطيع.. غير أن خوفا دب في أوصالي من أن تستجد أي مفاجئات تمنع زيارتي لأبو ديس في الأيام المقبلة، لذا نزلت من الحافلة ووقفت لدقائق على أرضها أتأمل كل ذرّة تراب
حولي..
حانت ساعة الذهاب بعدها إلى بيت لحم، وكنت أودعت أبو ديس سلامي واعدة إياها بالمكوث في الأيام المقبلة حينها أطلت بيت لحم بعراقتها ووقارها وهيبتها المسيحية المتأصلة في جنباتها..
وكنت أتأمل على جنبات الطرق، كما في أريحا، نبتة "الخبيزة"، لأبتسم عند رؤيتها بمرارة، إذ ليست بالأكلة الفلسطينية المعروفة فحسب، بل فيها تتمثل القصة الفلسطينية بأدق تفاصيلها، فمن بين الصخور والحجارة والمياه الآسنة والأزقة الوعرة تنمو ويشتد عودها، تماما كما الفلسطينيين الذين نبتوا و تفتح زهرهم و ما يزال من بين كل معيقات وشظافة الاحتلال ومخيمات اللجوء.
مشاهد كثيرة علقت في ذاكرتي منذ لحظة وصولي فلسطين حتى دخولي فندق الانتركونتننتال في بيت لحم.. مشاهد هزت قلبي بعنف؛ الجدار الذي يخاله الناظر يريد مطاولة السماء لحجب الهواء عن الفلسطينيين.. المستوطنات الممتدة كالسرطان المتفشي وأولها "معاليه أدوميم" التي قضمت أراضي أبو ديس والعيزرية والتي تسعى للامتداد حتى أريحا.. جنود الاحتلال الذين تفوح ألوانهم بكل كابوس مقزز.
وفي بهو وردهات الفندق أيقنت بالفعل أنه قصر قديم تم تحويله لاحقا لفندق. عبق التاريخ الفلسطيني الأصيل كان يكسو تفاصيله كلها.. وعندما ولجت غرفتي في الطابق الخامس، أطللت من شرفتها على بيت لحم الممتدة أمامي بخضرتها وبداعة بنيانها الذي يمزج القديم بالحديث.. استسلمت للنوم خلال لحظات بعد أن أقفلت الستارة سريعا خوفا من مواجهة ما خلته حلما، فلم أزل حينها بعد غير مصدقة أنني على تراب فلسطين.
مساء استيقظت، ليجتمع الوفد كله في بهو الفندق، ولنتوجه جميعا لمقابلة الرئيس الفلسطيني محمود عباس.. مضينا بسيارات السلطة الفارهة مجددا نحو مقر الرئيس في بيت لحم.. هناك أحسست بمشاعر متضاربة؛ فمن دهشة لحجم الفخامة التي تكسو جنبات المقر، إلى إحساس بالشجن لمقابلة رئيس دولة فلسطين المحتلة، وما يعنيه ذلك من قيمة رمزية مهما كان حجم الاختلاف مع منهجية السلطة الفلسطينية حاليا.
وبعد أن انتهى اللقاء وعدت مجددا حيث غرفتي في الفندق، بقلب يترقب انطلاق الفعاليات في اليوم التالي، أحسست لحظتها بمشاعر أسى كبير تتملكني من مشاهد الاحتلال المؤلمة التي واجهتها منذ اللحظة التي وطأت فيها أرض البلاد، وما انتشلني من مشاعري غير إمساكي بالقرآن الكريم فجأة، لأفتح أي صفحة عشوائية، لتقع عيني على آية "إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون".. لحظتها اطمأنت نفسي، وشعرت بأن الله قد يقول في أي لحظة بأن ينتهي الاحتلال وأن تعود فلسطين عربية مسلمة حرة.. حينها استسلمت لنوم عميق حتى أشرقت شمس اليوم الثاني في فلسطين.
منذ الصباح، هرعت للشرفة، وتأملت بجسارة بيت لحم بخلاف ما حدث معي في الليلة التي سبقتها، غير أن التخوّف والتحسب للعودة بدأ يدب في قلبي، في نفس اللحظة التي استوعبت فيها بأني في فلسطين.
توجهنا بعدها والوفد الكويتي لزيارة كنيسة المهد والبلدة القديمة في بيت لحم، وكنت أشعر في أعماق قلبي ونفسي بأنني "بنت البلاد وصاحبة الدار"، وبأن عليّ إعطاء الأولوية لأخواتي الكويتيات في ركوب السيارات وحتى في الاستفسار وطلب المساعدة في أي موقع نتواجد فيه.. وكم تهت فخرا وفرحا غير مسبوق بهذا الشعور، فهي المرة الأولى التي أكون فيها "صاحبة الدار" في فلسطين.
مضينا نحو كنيسة المهد وساحتها التي تصهر الأديان معا، بضمها مسجدا وكنيسة قبالة بعضهما، وبتداخل بديع بين الأذان والأجراس. في قلب الكنيسة لمست الموقع الذي شهد ميلاد المسيح عليه السلام، ومشيت متأملة في المغارات وجنبات الكنيسة المترامية، ولم يكن يتبادر لذهني حينها إلا ما فعله اليهود بعيسى عليه السلام وأرضه، منذ ذلك الحين وحتى اليوم.
ولعل كنيسة المهد لتشهد على حجم التجبر الإسرائيلي بأتباع الديانات كافة، عندما التحم المسلمون والمسيحيون في قلبها، فباغتهم جنود الاحتلال بالاجتياح والتدمير ضاربين بعرض الحائط قدسية المكان في العام 2003.
أنا الآن إذا في بيت لحم، أمشي في طرقاتها وأتنشق نسيمها وأنعم بشمسها وجمالها.. وأنا كذلك إلى جوار جدار العنصرية الذي يطوقها، والذي لمسته بيدي للمرة الأولى فشعرت بحجم وحله وقذارته، ما حداني لإبعادها سريعا، لأتأمل من على بعد أمتار ما كتبه أبناء شعبي عليه.. ثمة من كتب عليه فلسطين عربية، وثمة من رسم عليه إشارة النصر، بيد أن من أكثر ما استرعى انتباهي ما كتبه أحدهم "هذا جداري"!! ابتسمت حينها إعجابا، وقلت: ترى ما حال جنود الاحتلال عندما يقرأون هذه العبارة تحديدا؟ فالفلسطينيون يسعون لتذكير الإسرائيليين كل لحظة بأن كل ما على تلك الأرض من حقهم، حتى الجدار العنصري المشيد على أرض فلسطينية، والذي سيهدمه الفلسطينيون تماما كما هدم الألمان جدار برلين.
أماني.. صبية جامعية صغيرة رافقت الوفد تطوعا.. كانت محملة بشجن يفوق عمرها الفعلي.. أسرّت لي ولزميلي الإعلامي محمد زكري بموقف حدث لها مع جنود الاحتلال قبل أشهر.. قالت "كنت أنا وزميلي في يوم ذاهبين من بيت لحم لأبو ديس حيث جامعة القدس، وفي الطريق أوقفنا جنود الاحتلال ليسألوننا عن بطاقاتنا الجامعية. وعندما قرأوا أني طالبة حقوق وزميلي طالب فيزياء، استشاطوا غضبا، وأمرونا بالعودة أدراجنا بحجة أنني سأصير يوما محامية وأرفع على كيانهم قضية في المحاكم الدولية، وبأن زميلي سيصنع يوما متفجرات وأسلحة ضدهم".
غرقت في ذهولي من حديث أماني، التي أردفت قائلة "نمشي في المعابر على حدائد بارزة تمر عنها عجلات المركبات، فترتعد منها أجسادنا.. نحن واثقون من أن ثمة شيء ما غريب في هذه الحدائد".
مضت أماني تتحدث عن موقف آخر حدث لها أثناء الحرب على قطاع غزة في الأشهر الماضية. تقول "كانت قلوبنا حينها تعتصر ألما على أحداث غزة، فيما جنود الاحتلال يرفعون أصوات الغناء الصاخبة على المعابر، ويسألوننا: مبسوطين؟؟".
وبينما كنت مستغرقة في الحديث مع أماني، نزل طفل تلحمي صغير من حافلته المدرسية، يتقافز بين السيارات وعلى جدار منزله بجرأة بالغة، حينها علقت إحدى عضوات الوفد معنا بعفوية، قائلة "هاي شخصيات رجال مش أطفال".
مشاهد كثيرة ما تزال تتراءى في ذاكرتي أثناء التجول في بيت لحم، العيادة البيطرية التي رأيتها على قارعة الطريق، والتي يشي بابها بالقدم في وقت لم أرصد فيه أي عيادة بيطرية معروفة في بلدان عربية عدة زرتها.. الحملة التي حدثتني عنها أماني والتي كانت تهمّ وزملاءها لتنظيمها وهي "المساهمة في مسح آثار الدماء عن أرض غزة".. كذلك قريبة أحد المناضلين التاريخيين التي جلست إلى جوارها في المؤتمر بينما كانت تروي لي بدموعها كيف عاشت عمرها كله في انتظار يوم تعانق فيه فلسطين.. دبكة الوفد الكويتي بعفوية وتلقائية في ساحة كنيسة المهد على أنغام أغنية "علّي الكوفية".. العبارات الموزعة على جنبات الطرق لجمعيات شبابية، تقول فيها "لا للتدخل الإيراني في القرار الفلسطيني"، فيما كنت أتحسر على التنطّح للشقيق بعبارات من هذا القبيل عوضا عن تعليق عبارات ضد الاحتلال وأذنابه في المنطقة.. الدكتورة الكويتية التي كانت من ضمن الوفد، والتي بقيت أرمقها بفضول منذ بداية الرحلة، وإذ بها من قريتي وتحمل الجنسية الكويتية، والتي ما إن عرّفتني باسمها فاطمة سلامة عيّاد حتى احتضنتها ومشينا سويا نتطارح شجون الوطن المحتل.
وفي طريقنا عصرا نحو افتتاح الفعاليات، تناهى لمسامعي ذات الحديث الذي ظللت أتهرب منه؛ حديث الانقسام الفلسطيني. لم يكن ثمة مجال للتنصل من المكان، إذ نستقل كمجموعات المركبات الفارهة المتأهبة لنقلنا.. كنت أعتصر ألما من الحديث عن ابن البلاد الذي رضع الحليب ذاته وتنشق الهواء نفسه و ذاق الويلات عينها، الحديث عنه بأسلوب يكاد يشابه بل يفوق في أحيان الحديث عن المحتل الإسرائيلي.. ولعل من أطرف ما في الحديث الآنف أن الجميع ينهيه بالعبارة ذاتها "نحن نريد وحدة الصف الفلسطيني، بس —–"، لتعود الكرّة من جديد.. وكان السؤال الذي يتبادر لذهني لحظتها: ترى هل سيغدو الانقسام الفلسطيني من ضمن المسلّمات أيضا في ثقافتنا السياسية، مثلما غدا الاحتلال والفشل والانكسار من ضمن المسلّمات؟
وعندما انطلقت شرارة الاحتفال في قصر المؤتمرات في بيت لحم، رصدت الحسرة في عيون جل المتواجدين؛ إذ نحتفل بالقدس ونهتف لها، فيما جنود الاحتلال يُطبقون عليها بمخالبهم كل يوم.
وكم تمنيت في قرارة نفسي لو استبدلنا قصر المؤتمرات الفاره باحتفال متقشف متواضع على معابر القدس، لنبرهن للعالم كله أننا ممنوعون من تنشق هواء القدس والتنعم بمقدساتنا وإرثنا المتغلغل بها.
توالت الفقرات الاحتفالية، غير أن أغنيتيّ "فدائي" و"علّي نارك يا ابن كنعان" أنعشتا قلبي على نحو خاص؛ إذ شعرت بإرث الثورة الفلسطينية الفني والثقافي ما يزال حيا، بعد أن تفشت دعوات الانبطاحية والتبرؤ من تلك المرحلة بكل ما ومن كان فيها.
نمت ليلتها بعد أن حاولت اعتصار ذهني؛ لأرصد أي المشاهد واللمحات كانت الأكثر تأثيرا وجلبا للفرح في نفسي، فما وجدت أكثر من اسم "منظمة التحرير الفلسطينية"؛ لشدة ما يحييه هذا الاسم من آمال وشجون فطمتنا أمهاتنا عليها بعيدا عن حسابات الانقسام الضيقة التي طرأت في الزمن الرديء.
صبيحة اليوم الثالث حذرني الزميل الإعلامي يوسف الشايب من زيارة مدينة الخليل، لما تعج به من آلام ومآس، متبعا حديثه بكثير من التخوّف، عندما قال "إسرائيل تخطط لحفر أنفاق كي نتنقل من خلالها على أرضنا المحتلة.. بضع أشهر وسيحرمنا الإسرائيليون حتى من شمس فلسطين".
ارتعدت أوصالي من حديث يوسف، حتى لاح لي في بهو الفندق وجه عمي أبو فايز بابتسامته المطمئنة وزوجته التي تنطق ملامحها وانفعالاتها بكل ما هو حيوي وجميل رغم آلام الاحتلال.. هبّت عليّ حينها نسائم أبو ديس، لاسيما بعد مغادرة الفندق لإمضاء أيام الزيارة المتبقية بين أهلي الذين حرمني منهم جور وجبروت الاحتلال.
ولّينا وجوهنا شطر قرية أرطاس في قضاء بيت لحم، والتي تضم ديرا كبيرا يربض في بطن وادي مطوق بجبال خضراء كانت تسمى قديما بالجنة المغلقة، لتطل على برك سليمان المحاذية لها.. علمت حينها سبب تسمية هذا المكان الساحر بالاسم الآنف، حتى وقعت عيناي على البيوت المنهكة قبالة كل هذا الجمال. وما زلت لا أعلم حتى اليوم سبب الخجل الذي اعتراني لحظتها إلى حد لم أملك فيه التدقيق في وجوه الأطفال والشيوخ على قارعة الطريق؛ فأنا منهم وهم مني، بينما كنت أمضي ليلتي في الاحتفال الباذخ فيما لا أعلم إن كان أهالي أرطاس وجدوا ما يسدون به جوعهم ويستر بردهم.. خجلت حينها من كوني لم ولن أختلف من وجهة نظرهم عن أي سائحة تأتي للبلاد للتفكّه والتنعّم بالجمال، فيما المرابطين من أهل المكان يسفّون التراب في أزقة قريتهم المتعبة من ثقل الاحتلال المطبق.
غير أن كل ذلك، لم يكن شيئا بجانب بؤس الخليل وقراها الرابضة بعنفوان كما عنفوان أهلها. وأكاد أجزم بأنه لولا الحنان الذي كان عمي أبو فايز وزوجته يطوقانني به، أثناء مشيي في أزقة الخليل وأسواقها القديمة، لكنت فقدت صوابي من بؤس ما رأيت في مدينة خليل الرحمن التي لطالما سمعنا عن عزّها وأمجادها التي مضت.
فوق أزقة الخليل المؤدية للحرم الإبراهيمي كان ينتصب سلاح مجند إسرائيلي، فيما على مشارف الحرم كانت نقطة تفتيش إسرائيلية مقززة لم تسلم من تجبرها حدائد الأحذية ولا الأحزمة ولا حتى "الجاكيتات" و"البناطيل" ! وما كادت نقطة التفتيش الآنفة تنتهي على خير أو غير خير ، حتى ظهرت أخرى على باب الحرم تماما، لتليها الثالثة عند مقام السيدة سارة، فيما أصوات الصلوات اليهودية تتعالى لتشوّش على تسابيح المسلمين في القسم الذي أبقاه اليهود لهم مهملا بائسا محروما من الصيانة والترميم.
في قلب الحرم الإبراهيمي كدت أشتم رائحة الدماء التي أراقها الإسرائيليون في العام 1994 عندما أوقعوا بالمصلين المجزرة المروعة.. ولم ألحظ تلك الدمعة وهي تنساب من عيني عندما اقتربت من مقامي السيد إسحاق عليه السلام وزوجته رفقة.
وبعد جولة واستراحة في الخليل الحزينة، تخللتها ابتسامات كثيرة من فرط عشقي للهجة الخليلية المعروفة، وعند رؤيتي لحذاقة أهل الخليل في التجارة واستمالة الزبائن، بعدها مضيت متحرقة شوقا لمعانقة أبو ديس ورائحة أجدادي بين جنباتها.
الطريق إلى قريتي اضطرني للافتراق لما يقارب الساعة عن عمي أبو فايز وزوجته؛ لتعقيدات ظروف التصريح الذي أحمله وهوية القدس التي يحملونها. استقلّيت حينها سيارة أجرة فتحت مواجعا أخرى؛ فما كدت أمضي في طريق وادي النار الوعر حتى همّ سائق السيارة لبث شجونه وأوجاعه من هول ما يرى على المعابر. تحدث لي عن مرضى سيارات الإسعاف الذين يخضعون هم الآخرين للتفتيش المهين، وكيف يُنزَلون عن نقالاتهم الطبية برغبة المجندين، وكيف أن حالات ولادة كثيرة حدثت على المعابر جرّاء مماطلة جنود الاحتلال.
في غضون دقائق، اختزلت كل المآسي التي تحدث عنها السائق، لأهرع سريعا نحو سيارة ابن عمي فادي، الذي كان ينتظرني وزوجته اليانعة وطفليه الجميلين على الطرف الآخر من المعبر.. ولم تكد عيناي تقعان عليه حتى "حنّ الدم" كما تقول جدتي دوما، فعرفته قبل أن أقترب منه.. مضينا معا نحو أبو ديس مرورا بالعيزرية، فيما أنقل بصري بين ملامح عائلة فادي لأرصد تشابههم معي، وبين طرقات أبو ديس التي امتصت رؤيتي لها في اليوم الأول كثيرا من رهبة الموقف..
وعندما أوشكت الشمس على الأفول، توجهت لمنازل أجدادي المهجورة منذ العام 1967.. وعلى عتبات تلك "الحاكورة" التي لطالما وصفتها لي جدتي، رأيت بيت جدي يونس شاحبا رغم هيبة بنائه. لم أتماسك حينها، وأسندت رأسي لحجارة البيت العتيقة وبكيت كما لم أبكِ منذ قدمت لفلسطين.
اليوم، بينما أستذكر تلك اللحظات، أعترف كم كنت مسكونة بمشاعر جياشة حينها، وأضحك حين أستذكر كيف مرّ من جانبي كلب بري كبير يتكفل مثله في الأحوال العادية في عمّان في هلعي وفراري من المكان، غير أني لم أحرك ساكنا سوى أن ملتُ قليلا إلى جانب خالتي أم فايز.
غربت الشمس، إلا عن جرحي العميق لحال بيت جدي المنهك من شوقه لأهله الغائبين، حتى ارتميت بعدها في أحضان جدي أبو سامي وجدتي أم سامي.. عندها أودعتُ أشواقي لأبو ديس على صدر جدي، وتركت العنان لشهقات حزني لتتعالى لاسيما بعد أن اصطحبني لرؤية بيت جدي سلامة المهجور هو الآخر..
كانت النافذة التي حدثني والدي عن دراسته ونومه بقربها هي أول ما بحثت عنه.. وكم تراءى لي وجه جدي حينها بينما هو يتابع تفاصيل بناء بيته الصغيرة منها والكبيرة.. وكم أحسست لملمس الحجر حينها معنى آخر، ولأعواد الأعشاب البرية الحارسة لجنبات "الحاكورة" لونا آخر..
وما كاد ينشلني من آلامي إلا تلك السهرة العائلية التي كانت الأجمل طوال سني عمري الخمسة والعشرين. كان أقاربي يتحلقون حولي، يعرّفونني بأنفسهم، ويتحدثون لي عن حياتهم، فيما أحلق سعادة بينما أستمع إليهم وأرقب ضحكاتهم وسكناتهم جميعا.. كم حلمت بهذا اليوم منذ وعيت على حقيقة أن لي قرية منكوبة جرّاء الاحتلال الإسرائيلي اسمها أبو ديس، وأن لي فيها أهلا قطع الاحتلال الوشائج بيني وبينهم.
وكم كانت تتضارب في قلبي وعقلي المشاعر وردود الفعل حيال ما يقولونه لي عن ويلات الاحتلال المتغلغلة في حياتهم اليومية، إذ كانوا يطرحون رؤاهم السياسية الناضجة الثاقبة بقالب بالغ اللطافة والطرافة في أحيان، عندما يحوّلون ممارسات الاحتلال ضدهم على المعابر إلى مادة تندر وسخرية.. وكادت دمعة حزينة تفر من عيني بأسى رغم ابتسامتي عندما قال لي أحد أقاربي مازحا "إحكي لجماعتنا في الأردن ما يأجروا المخازن، عشان بنعرفش شو ممكن يصير ونضطر نيجي نسكن فيهم".
دقائق وجاء لي جدي أبو سامي بألبوم صور قديمةلأجدادي وأعمامي.. كنت أقلب صفحات الصور معه، بينما أسأل ذاتي: تُرى ماذا لو كان أجدادي وأهلي الباقين في الشتات معنا الآن؟ وماذا لو كنا ما نزال نسكن جميعا قريبين من "حواكير" بعضنا؟ هل كنا سنتبادل أطباق طعامنا كما يفعل الأقارب والجيران؟ وهل كنا في مراهقتنا سنعشق بعضنا بعضا كما أبناء الأعمام والجيران؟ وهل كنا سنسهر معا ليليا، لنمضي في الصباح معا إلى جامعاتنا ووظائفنا؟
ظلت الأسئلة تتوالد في قلبي وذهني ليلتها، بينما كنت أستشعر حلاوة كل شيء للمرة الأولى في قريتي.. فكانت المرة الأولى التي أسهر فيها في أبو ديس، والمرة الأولى التي أتناول عشائي فيها في أبو ديس، والمرة الأولى التي أصلي فيها في أبو ديس، والليلة الأولى التي أنام فيها في أبو ديس..
خلدت للنوم ليلتها، بعد أن تسامرت وابن عمي اليافع إبراهيم.. كنت أنظر في عينيه لأرصد مدى التشابه بينه وبين أخي الصغير رامي، فكليهما يبلغ من العمر عشرين عاما.. وكنت أقول في نفسي" ألم يكن من المفترض لو كانت بلادنا حرة أن يكون إبراهيم ورامي صديقين؟ أكانا سيمضيان معا نحو الجامعة ليتتبعا فتاة بعينها؟ ومن ثم ليبحثا معا عن وظيفة بعد التخرج؟… لحظات ولم أشعر بذاتي إلا وأنا أستسلم للنوم رويدا رويدا في أكناف أبو ديس، استعدادا ليوم حافل آخر.
أشرق صباح اليوم الرابع في فلسطين مع إشراقة محيا ابنة عمي هناء التي لم أعرفها من قبل.. طالعتني بابتسامتها الهادئة وطباعها الديسية" الأصيلة.. ما يرنو على الساعة هي تلك التي تجاذبنا خلالها أطراف الحديث أنا وهي، بيد أني خلت معرفتنا تجاوزت سنينا.. إلى حد سألت فيه نفسي: تُرى، هل كان يظن الكيان الإسرائيلي بأنه يقطع عروق الدم بين الوطن والمنفى؟ وألم يعلم بأن ثمة بوتقة ينصهر فيها الأهل جميعا، أيا كانت وجهات منافيهم؛ بوتقة الوطن؟
لقاء جميل آخر خضته يومها، عندما التقيت ابن عم آخر لي لطالما سمعت عن عقيدته السياسية والفكرية.. نضال، أو كما أطلقت عليه لاحقا "الجنرال نضال"، بعد أن جبنا الجامعة ومتحف أبو جهاد للأسرى معا، فيما كنت أنظر لقامته السامقة أمامي، وأستمع لفكره النيّر في تفنيد الوقائع السياسية.
وفي متحف أبو جهاد في قلب الجامعة، مضى نضال يشرح لي عن أعمال الأسرى الفنية المعروضة، وعن رسائلهم السياسية التي كانوا يودعونها في "كبسولات"، يهرّبونها مع ضيوفهم.. لحظتها دُهشت طويلا من آلية هذه الكبسولات، التي يحشو الأسرى رسائلهم بها، فيما يبتلعها الضيف خفية ليقرأ ما فيها بعد إخراجها مع فضلاته.. ارتعدت من تلك الحقيقة، وتساءلت: تُرى أين هم ناشري الكتب عن هذه الرسائل التي يتجاهلون نقلها للقارئ، فيما يهدرون الآلاف لنشر مراسلات العشاق والفنانين؟
دقائق معدودة، كان فيها عمي أبو فايز وزوجته على مدخل الجامعة ينتظرانني كي نخوض محاولة الدخول للقدس والأراضي المحتلة في العام 1948، رغم أن تصريحي يخص أراضي السلطة الفلسطينية فقط.
إيمان عارم كان يملؤ قلبي منذ قدمت لفلسطين بأنني سأزور القدس وأصلي بها..
وعلى ذلك المعبر، رأيت إيماني مترجما إلى واقع، عندما أشارت لي المجندة بالدخول.
حينها، كدت أنزل من السيارة لفرط فرحتي، وكدت أتقافز في شوارع القدس ضاحكة باكية، تماما كما فعلت عندما علمت بخبر دعوتي لفلسطين، لولا أن جمالا ساحرا عقد لساني من الدهشة بين قرى القدس وشوارعها؛ فمن الطور إلى سلوان إلى وادي الجوز إلى القسطل ودير ياسين ولفتة واللطرون وعمواس وأبو غوش وبيت محسير.. في كل شبر في القدس وما حولها، كنت أتخيل جموع الثائرين مع الشهيد عبد القادر الحسيني. وكنت أشتمّ في كل ركن فيها رائحة دماء المجازر التي تفنن الإسرائيليون في إراقتها منذ العام 1948.. غير أن كل ذلك لم يعادل دقيقة من الإطلال من بعيد على الحرم القدسي الشريف، والذي أرجأت زيارته حتى أعانق عروس البحر الأبيض المتوسط يافا قبل اشتداد انهمار المطر.
في طريقي إلى يافا، لمحت مقاما لولي صالح اسمه علي، لم تفلح مخالب جرافات الاحتلال في اقتلاعه من مكانه رغم المحاولات الدؤوبة.. ورأيت مدينتيّ اللد والرملة، لأتنشق بعدها نسائم بحر يافا الذي لطالما حلمت به، إلى حد عزمت فيه تسمية ابنتي عندما أتزوج وأنجب بيافا لشدة ولعي بهذه المدينة منذ شاهدت صورا لها وقرأت صفحات طوال عنها، ومنذ قابلت ابنة يافا الفنانة التشكيلية تمام الأكحل، التي ترسم يافا بفرشاة حب قبل فن.
ها أنذا أقف على شاطئ يافا، وأرقب بنهم موجها الثائر المتلاطم، وكأنما هو يصفع غاصبيه ومنتحلي هويته. وبحنو بالغ كانت الأبنية العربية المتبقية وجامع يافا الكبير يطلان على شاطئ البحر، بصورة أقرب ما تكون للانتحاب على صدر الحبيب.
وفي رحاب ذلك الجامع، وجدت ذاتي أدعو لشخص بعينه؛ الشيخ رائد صلاح، الذي تمنيت له قوة وصبرا أكبر ليكمل مشواره الصعب في حفظ هوية فلسطين العربية المسلمة أمام مساعي التهويد المسعورة على جسد فلسطين المنهك.
تأملت يافا وأحد بيوتها العتيقة على شاطئ البحر ، والذي حوّله الاحتلال إلى مطعم وحانة.. كان قلبي يعتصر ألما على كل هذا الجمال الضائع، والذي ما فتأ الاحتلال يطمسه وينتحله، تماما كما حوّل "تل الربيع" جهارا نهارا إلى "تل أبيب"، بجرّة قلم.
ومن جراح يافا إلى عويل قرية كفر قاسم، التي طرّزت دماء أبنائها في العام 1956 حكاية مجزرة إسرائيلية شنيعة بأفراد عزّل.. وعندما ولجت كفر قاسم، أيقنت كل اليقين بأن المدن تحزن، بل وتنتحب وتتشح بالسواد وإن نبت من بين حبيبات رملها دحنون وياسمين.
كل ركن في كفر قاسم كان ينطق باسم شهيد دفع حياته ثمنا لفلسطينيته، وما أطفأ ليلتها من شجون كفر قاسم إلا الأمطار الغزيرة التي هطلت لترافقنا حتى القدس من جديد.
في الطور تحديدا، أمضيت ليلتي تأهبا ليوم قادم حافل في الحرم القدسي، أمضيتها في منزل ابن عمي فايز وزوجته الجميلة سلام وأطفالهما الثلاثة الذين تتحدث عيونهم عن كل معنى جميل على تلك الأرض.
ليلتها، جافاني النوم؛ فأشواقي للصلاة في الحرم القدسي كانت جامحة، ولم أدرك من قبل تلك الليلة كم أحب القدس وكم تعني لي برموزها الدينية الراسخة.. كذلك هو اندماجي بالسهر مع فايز وسلام، لاسيما عندما كنت أتأمل في وجه فايز ونبرات صوته، لأربطها بعمي حسن الذي وصلت به المنافي من أبو ديس إلى شيكاغو.. وكنت أقول في قرارة نفسي كم هو الدم واحد برغم كل ما فعله الإسرائيليون لتشتيت الشمل الفلسطيني.
ومن دفء منزل فايز وسلام وكرمهم الجم، ارتميت في أحضان الحرم القدسي، بعد أن مررت على مقام رابعة العدوية والمكان الذي يُعتقد بأن السيد المسيح قد صعد منه للسماء، وكنيستي الجثمانية ومريم العذراء..
وعند باب الأسباط، اختلف كل شيء.. رائحة مقدسة لم أشتمها من قبل.. ومدى صافي لم أرَ رونقه سابقا.. وكان الدمع يغشى مقلتيّ حتى غامت الرؤية عند أضرحة شهداء فلسطين منذ العام 1936 حتى العام 1948، وعند ضريحيّ الشهيد عبد القادر الحسيني وفيصل الحسيني.
هيبة الحرم القدسي وبداعة تصميمه وجمالياته كانت تضاهي الحرم المكي بكل ما يختزله من رهبة وجمال. وما تزال طيور الحمام المطمئنة بين صفوف المصلين ترفرف بأجنحتها الساحرة في ذاكرتي، ليتبدد شيء من روعة هذه المشاعر أمام حقيقة قلة المصلين، بسبب إجراءات المنع الإسرائيلية.
ووجدت لساني حينها يلهج بالدعاء مجددا للشيخ رائد صلاح، لتسييره حافلات يومية منتظمة للحرم القدسي من المناطق المحتلة في العام 1948، كي لا ينعدم المصلين من التواجد في جنبات الحرم.
الباحات المتلئلئة كانت شاسعة على مرمى البصر، وكذلك هو المصلى المرواني الذي ترتجف قلوبنا خوفا عليه وعلى المسجد الأقصى جرّاء الحفريات الإسرائيلية في أساساته.
وعند حائط البراق وباب المغاربة كانت العنصرية الإسرائيلية متجلية بأبشع صورها، إذ يعج المكان باليهود والسائحين، فيما المصلين المسلمين يقفون مكتوفي الأيدي في ركن قصيّ، ممنوعين من معانقة أثر فرس النبي التي ربطها هناك عند إسرائه ومعراجه.
أزقة القدس وأسواقها القديمة التي تقود إحداها لكنيسة القيامة، كانت أشبه بصندوق عاجي يحفظ في جعبته سر المدينة كله، بعظمته وطهره وقداسته، وطابعه العربي الإسلامي الأصيل رغم كل الوجوه الشاذة بصفرتها عن تاريخ المكان وطابعه.
وإلى حي الشيخ جراح في القدس توجهت، للقاء أم كامل الكرد، التي صادر الاحتلال منزلها زورا وخديعة، لتربض في قلب المكان بخيمة تفوح بؤسا وحزنا.. وما بين حسرات فقدان الزوج الذي قضى في جلطة بعد طرده من منزله، وما بين البرد القارس كانت ملامح أم كامل تبث تصميما وعزما يتحدى كل شرائع الغاب التي ينتهجها الإسرائيليون ضد الفلسطينيين منذ ما يزيد على الستين عاما.
ولم يخفف على قلبي آلام القدس وجراحها النازفة، إلا سهرتي في أبو ديس بين أفراد عائلة عمي أبو نضال، الذي كانت ابتسامته الوقورة تختزل في تفاصيلها كل الود والدماثة، فيما كانت ملامح الذكاء الحاذق والطموحات الكبيرة ترتسم على محيا ابنا عمي التوأم بلال وأسامة، لاسيما بلال الذي لطالما تحدثت وإياه عن بُعد، حتى قابلته يومها لأسبغ عليه اللقب المعتاد "حكيمنا"!
وكنت علمت سر هذا الهدوء الممتزج بالرصانة، والذي يكسو شخصيات أبناء عمي أبو نضال جميعا، عندما تعرفت على والدتهم التي تشي ملامحها الجميلة بكل الوقار.
كل الود والأصالة طوقني بها نضال وزوجته اللطيفة آلاء وطفلتهما النابضة بكل البراءة والجمال، طوقوني بها عندما قضيت ليلتي بينهم، حتى انبلج الصبح الذي استيقظت فيه بينما كنت أبكي حزنا على قرب ساعة الفراق، فلم يتبق غير اليوم الأخير قبل السفر.
رأيت ابن عمي عطا في ذلك اليوم بصورة جديدة لم أرقبها فيه عندما قابلته في عمّان مرارا. خلتُ يومها أنني أقرأ على جبهته صولات وجولات طويلة في كل درب فلسطيني سياسيا واجتماعيا.
كانت نبراته وهو يشرح لي عن المكان تنطق بقلب كبير عشق فلسطين حتى بات غير قادر على حمل كل آلامها المتراكمة وإخفاقاتها المتكدسة.
ذات الود والدفء رأيته في زوجته نداء، وبيت عمي أبو عطا، بكل ما يزينه من طابع هادئ أصيل.. وقبل أن يصحبني في زيارة إلى رام الله، مررت و إياه على ضريح أجدادنا في مقبرة أبو ديس القديمة.. مررت لأهديهم أشواقا كثيرة محمّلة إليهم من المنفى، ممن عايشوهم وممن تناقلوا إرثهم العطر عبر الحكايات المتوارثة.. وعند ضريح جدي الكبير عبد الله سلامة لم أمنع دمعة لي من أن تفرّ، علّها تختصر كل ما في قلبي من عرفان ووفاء لقّنه لي والدي تحديدا، عندما كان يعزو كل نجاح وخير للعائلة لجدي عبد الله سلامة و "حسنة" أفعاله التي كان معروفا بها في القرية.
وفي طريقي نحو رام الله، تذوقت مرارة المحاسيم، كما يسميها شعبي المنكوب، بكل ما فيها من تفاصيل إذلال وامتهان للإنسانية.
وبصحبة عطا وشقيقته التي تشي بكل الطيبة جيهان، بصحبتهم في رام الله، لمست واقعا لطالما تحدثت عنه في كتابات سابقة لي.. وهو وهمية السلطة الفلسطينية في ظل الخبث والجبروت الإسرائيلي؛ وإلا فأي سلطة هي تلك التي تعتقل إسرائيل أعضاء من مجلسها التشريعي؟ وأي سلطة هي تلك التي تنتشر في أراضيها المستوطنات والمحاسيم الإسرائيلية؟ وأي سلطة هي تلك التي تجتاح الدبابات الإسرائيلية مناطقها فيما لا ينبس أحد حينها ببنت شفة؟ وأي سلطة هي تلك التي حوصر رئيسها الراحل ياسر عرفات من غير أي حول أو قوة فلسطينية؟
ولم يسعفني الليل ولا البرد ليلتها لزيارة ضريحي ياسر عرفات والشاعر الراحل محمود درويش برغم توقي العارم لملامسة آثار كليهما في قلب رام الله.
عدت ليلتها، عبر الطرق الوعرة نفسها، إلى أبو ديس، لوداع أبناء أعمامي جميعا في منزل عمتي إنعام، والذي كان يغص بكل الحب والتلقائية رغم آلام اعتقال أبنائها الأربعة سابقا.
كنت أتحاشى ليلتها التحديق في عيون من حولي أكثر، خوفا من أن تتهافت قدرتي على احتمال انتهاء الحلم الجميل الذي استمر أسبوعا.. صافحتهم جميعا، بينما كنت أشعر بدموعي تنهمر من بطن كفي، وسؤال ظل يتردد في ذهني ليلتها: ترى متى سأسهر معكم مرة أخرى؟ وأين سنلتقي: في المنفى أم الوطن؟
لم أنم ليلتها، فقد كان ثقل الهم والحزن أكبر من أن أطبق جفنيّ.. حتى أشرق صباح يوم الوداع، والذي عانقت فيه بيوت أجدادي المهجورة من جديد، وكل ركن وزقاق في مهوى قلبي أبو ديس.. بيد أني لم أعلم بأن وداعي سيطال القدس أيضا، عندما دخلتها للمرة الثانية بعد أن سمحت لي المجندة الإسرائيلية بالعبور.. ولكم تمنيت في وداعي هذا بأن تبقى روحي في القدس وأكنافها، إن لم أكن حية فمتوفاة، وإن لم تكن الآن فعند لقائي بارئي..
لم أقوَ على الالتفات إلى الوراء بينما كنت أتوجه لأريحا لمغادرة فلسطين.. وقبل أن تقع عيناي هناك على مقام النبي موسى الذي كثيرا ما حدثتني جدتي عن احتفالاتهم القديمة فيه، قبل ذلك دار أمام عيني شريط الرحلة كله.. ولعل من أكثر ما كان يدق مسامعي كلمات أطفال فايز وسلام بأنهم يحبون القدوم لعمّان، كي لا يروا جيشا و لا محاسيم…
مضيت نحو أريحا، فيما تتعانق في مخيلتي الأجيال الفلسطينية الثلاثة التي رأيتها؛ جيل قديم يؤرخ للنكبة والنكسة بسنين عمره وزواجه وميلاد أبنائه، وجيل ثان عايش إرهاصات الثورة وأحلامها وخيباتها الكثيرة، وجيل ثالث فتيّ تمتزج في عيونه الآمال والأسى معا خوفا من غد قادم قد يكون أسوأ أو أفضل مما سبقه..
دفنت رأسي على صدر جدي أبو سامي لحظة وداعه عند نقطة حدود أريحا- الأردن، وكنت أبحث في عينيه وعيون عمي أبو فايز وزوجته عن إجابة لسؤال: هل سأعود هنا يوما؟.. فما انتظرت الإجابة ولا تخمينها، لفرط صعوبتها عليهم وعليّ، في ضوء رهانات غير مضمونة على أرض فلسطين المحتلة..
ووجدت ذاتي بعدها أجرّ حقيبة سفري، بينما دموعي تترنم بأبيات الشاعر الراحل توفيق زيّاد، تماما كما كانت تترنم بها من الضفة الأخرى، عندما قال "عذّب الجمّال قلبي عندما اختار الرحيل.. قلتُ يا جمّال خذني، قال حملي ثقيل.. قلتُ يا جمّال أمشي، قال دربي طويل.. قلتُ أمشي ألف عام خلف عينيك أسافر.. قال يا طير الحمام حنظل عيش المهاجر".
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج


























أبريل 3rd, 2009 at 3 أبريل 2009 6:50 م
الاخت رشا
هنيئا لكِ على تلك الزيارة
موضوع جميل
مع التحية
أبريل 8th, 2009 at 8 أبريل 2009 10:44 ص
بدأت أقرأ كلماتك ثم “لم أشعر بدموعي إلا وهي تنهمر”
نص قوي جدا بكلمات عميقة…ذات دلالات متنوعة…
د. أحمد جميل عزم (العيزراوي)
أبريل 8th, 2009 at 8 أبريل 2009 7:43 م
كلماتك وسام شرف لي
شهادة أعتز بها
دمت بخير