رشا عبدالله سلامة
يبدو أن حالة من اليأس سيطرت على المخرج المصري خالد يوسف أثناء إخراجه عمله الأخير "الريّس عمر حرب"، إذ تكاد تكون المرة الأولى التي لا يبشر فيها بحتمية انتكاس الطاغية وهيمنة الحق.
تدور أحداث الفيلم، الحبلى بالرموز، في كازينو مصري يجتمع فيه كبار المقامرين العرب، فيما الريّس عمر حرب هو المسيطر على كل ما ومن في المكان.
وبذا، خرج يوسف هذه المرة من حيز التلميح للأنظمة العربية التي ترمز في أفلامه إلى الاستبداد إلى دائرة أوسع وهي وصم أميركا بذلك بل ومصارحتها بأنها "الطاغية الكبرى"، إذ يدور جميع المقامرين العرب وموظفي الكازينو، الذين رمزوا للأنظمة العربية، في فلك الريّس عمر الذي رمز لأميركا وخصوصا عندما عرّف ذاته قائلا "العالم ده كله بتاعي".
وعلى الرغم من قوة الحوار بين شخصيات العمل لاسيما حوارات الريّس عمر، إلا أن معظمها وخصوصا الأخيرة منها كانت مباشرة إلى حد يشبه التصريح برموز الفيلم ومغازيه.
أحد أهم تلك الحوارات، والتي وضعت إصبعها في عين الأنظمة العربية، تلك التي صرّح فيها الريّس عمر بأن الجميع في الكازينو تحت قبضته وإن بدا ظاهر الأمر بأن لكل منهم شخصية وهوية متفردة، كذلك في الإشارة إلى دهاليز السياسة التي قد تكون العداوة الخالصة فيها صداقة وطيدة مستورة لمآرب رخيصة منها جرّ رجل الأطراف الساذجة.
كان أيضا التصريح الذي رمز فيه الريّس عمر إلى بعض الأنظمة العربية التي خرجت عن طوع الأميركان فكان مصيرها التدمير، في إشارة إلى النظام العراقي.
وتقود تلك النقطة إلى الحديث عن الشخصية العراقية التي لربما يتم التطرق إليها صراحة للمرة الأولى في الأفلام المصرية منذ احتلال العراق، والتي هيمنت عليها صفات صدام حسين المتداولَة عنه للرمز إلى شخصه من عقدة العظمة والبطَر والرعونة التي لا تقود إلا إلى التهلكة.
شخصيات أخرى في العمل كان معظمها نمطيا كالخليجية، التي تمرّست الأفلام المصرية مؤخرا على تعرية سلوكيات بعضها في مصر، فيما شخصيات أخرى قُدمت بجرأة بالغة وبقدر واضح من التصالح مع الواقع كشخصية "المومس" التي أدتها غادة عبدالرازق.
وفي ذات السياق، ثمة قضايا أخرى أجرى معها يوسف تطبيعا من خلال عرضها في سياق طبيعي وتلقائي بحت كعوالم المقامرة والتحرر من قيود العائلة والعلاقات الجنسية الحرة، فيما أخرى أوجد لها المبرر الدرامي بل واستجدى عطف المشاهد مع شخوصها كالخيانة الزوجية والزجّ بالابنة في العلاقات المحرمة.
وعلى الرغم من كون المشاهد الجنسية الفجة كانت مقحمة بتفاصيلها من غير مبرر، إلا أن أبطال الفيلم الذين تكرروا في أعمال يوسف السابقة، وهم هاني سلامة وخالد صالح وغادة عبدالرازق وسمية الخشاب، أثبتوا جميعا أنهم على قدر من التوافق الفكري مع المخرج إلى حد التفرد في خلق أعمال جريئة هادفة ومغايرة للسائد حاليا في السينما المصرية.
المراهنة الكبرى تبقى على يوسف الذي استطاع أن يجترح له خطا خاصا منذ بدايته، والذي يأبى برغم الانتقادات الحادة له أن يصغي لها سمعا، بل هو يسبر غور المحرمات التي بقيت نقاطا ملغومة لسنوات عدة، ليغدو صاحب رسائل سياسية مرتَقَبة من قِبل الجماهير العربية التي تتقاذفها تكهناته بين قرب انفلاق الفجر العربي وبين ربط ذلك بانقشاع الكابوس الأميركي
كتبها رشا عبدالله سلامة في 09:33 مساءً ::
الاسم: رشا عبدالله سلامة
