حاورته: رشا عبدالله سلامة

إذا ما كان لشاهد العيان في أي قضية مكانة تمثل حجر الرحى، فإن للشاهد العيان في هذا الحوار أهمية مضاعفة، إذ هو ليس بشاهد عيان فحسب، بل لاعب رئيسي ومحرك مهم لخيوط القضية.
إنه المناضل بهجت أبو غربية الذي كان واحدا من قادة الصف الأول في الجهاد المقدس في فلسطين عام 1948، والذي يروي عبر حواره الذي خصّ فيه الغد إرهاصات تلك الأيام التي أعلن فيها بدء النكبة الفلسطينية التي ماتزال تعتمل حتى اليوم:
* بصفتك كنت أحد قادة الجهاد المقدس في القدس في شهر آيار(مايو) من عام1948، هل لك أن تحدثنا عن دورك ومشاهداتك في تلك الأيام وخصوصا يوم 15 أيار؟
في الساعة العاشرة من صباح الجمعة14 أيار أُنزِل العلم البريطاني عن قصر المندوب السامي في جبل المكبر، وارتفع مكانه علم الأمم المتحدة إيذانا بانسحاب الجيش البريطاني من القدس، ليتجه قسم منه إلى نابلس وحيفا بصحبة المندوب السامي، فيما اتجه القسم الآخر إلى قاعدة الجيش البريطاني على قناة السويس جنوبا.
وبمجرد مغادرة الجيش البريطاني، فتح اليهود النار على طول الخط الفاصل بيننا وبينهم، وكانت النتيجة أن تمكنوا في ذلك اليوم من احتلال وسط المدينة المحصنة في القدس(زون) والتي كان يسيطر عليها الإنجليز، وهو ما تم بمساعدتهم قبل أن يرحلوا.
وبذلك استلم اليهود هذه المنطقة من دون قتال بسبب تسليم الإنجليز لها ولمفاتيح الدوائر فيها، وهو ما حقق لليهود إنجازا عسكريا هاما في وسط المدينة وبـبلاش ومن دون أي قتال يُذكر.
وكما ورد في مراجع عدة، كان بن غوريون قد أصدر أوامره إلى الجيش اليهودي باحتلال القدس كاملة، ووعده قائد البلماخ بأن يعطيه القدس كاملة خلال24 ساعة.
وكان اليهود قبل15 أيار بفترة قد تمكنوا من احتلال الأحياء الغربية العربية للقدس، وهي: حي القطمون وحي البقعة والحي الألماني وأجزاء من حي الثوري بعد دفاع مجيد من قوات الجهاد المقدس بقيادة المرحوم إبراهيم أبو دية الذي قدمت قواته في هذه المعارك أكثر من100 شهيد. وباحتلال هذه المناطق لم يتبق خارج سور القدس إلا الأحياء الشمالية ومنها: حي المصرارة وحي باب الساهرة وحي سعد وسعيد وحي وادي الجوز وحي الشيخ جراح. في تلك الفترة كنت أحد قادة جيش الجهاد المقدس وأحد المسؤولين عن الدفاع عن القدس بشكل عام وعن الأحياء الشمالية منها بشكل خاص. وكان بإمرتي حوالي 200 مجاهد، 100 منهم من شباب القدس وقراها و100 من جيش الإنقاذ التابع لقيادة الرئيس فاضل رشيد.
وكان اليهود قبل 15 أيار بحوالي أسبوع يناوشون قطاعنا ويركزون على مخاطبتنا عبر مكبرات الصوت للتأثير على معنوياتنا، وبعد ظهر يوم الجمعة المشار إليه ركزوا نشاطهم على منطقتنا قائلين لنا: لم يبق غيركم خارج أسوار القدس، ادخلوا إلى داخل البلدة القديمة. كما حاولوا التقدم مساء يوم الجمعة ولم ينجحوا في ذلك.
وفي الصباح الباكر من يوم السبت 15 أيار بدأ اليهود هجوما مركزا على قطاعي، معلنين لنا أنهم يصرّون على إخراجنا من هذه الأحياء وأن علينا الدخول إلى البلدة القديمة، وهو ما كان سيعني لو حصل نجاحهم في حصار البلدة القديمة من جميع الجهات وقطع طريق مواصلات القدس مع أريحا شرقا ورام الله شمالا بعد أن قطعوا طريقها إلى بيت لحم جنوبا.
وقام اليهود صباح هذا اليوم باحتلال بناية المستشفى الإيطالي التي تشرف على منطقتي إشرافا كاملا، منزلين عنه علم الصليب الأحمر الدولي ورافعين عليه علمهم. وتمكنوا كذلك من الاستيلاء على المستشفى الفرنسي وعمارة النوتردام، وبسيطرتهم على هاتين البنايتين، اللتين كانتا أصلا على جبهة اليهود وضمن خطوطهم، أصبحت نيرانهم مسيطرة على جميع طرق مواصلاتنا، ولكننا تمكنا من الصمود.
ولكن بعد أن بدأ الهجوم بحوالي ساعة تمكنوا من احتلال عمارتين رئيستين تقعان بين خطوطي وخطوطهم: وهما بنايتا المدرسة الأسويجية وبناية قطينة التي كانت يوما ما مقرا للمتحف الفلسطيني، وحاولوا التقدم من هاتين البنايتين ولم يفلحوا برغم ضغطهم الشديد.
وعند الظهر وصلتني رسالة خطية من قائد كتيبة جيش الإنقاذ الرئيس فاضل رشيد يأمر فيها بسحب جميع قواتي خارج أسوار البلدة القديمة وإخلاء جميع القطاع الذي أنا مسؤول عنه، وقد وقّع على تلك الرسالة كل من الرئيس فاضل رشيد والشيخ مصطفى السباعي (مرشد الإخوان المسلمين في سورية) والرئيس جمال الصوفي (ضابط من الجيش السوري) ونائب الرئيس فاضل رشيد.
هالني الأمر، حيث كنت مصمما ألا تسقط منطقتي ما دمت حيا، فلم أنفذ الامر بل توجهت إلى قيادة فاضل رشيد داخل البلدة القديمة وسألته: لماذا أصدرت لي هذا الأمر؟
فقال إن أحد وجهاء حي المصرارة واسمه محمد سبيتاني أخبره أن وضعنا خطير جدا، فقلت له: وضعنا بالفعل خطير جدا، ولكنني أستطيع الجهاد لثلاثة أيام أخرى على الأقل أنسحب خلالها تدريجيا إلى داخل السور، وخلال هذه الأيام من الممكن أن تحدث تطورات تساعدنا على الصمود وعدم الانسحاب. ومن ثم أسمعته ما يكره، لأنه كان قد أصدر هذا الأمر قبل أن يسألني أنا عن الموقف.
وعدت بعدها إلى منطقتي ونظمت هجوما معاكسا تراجع جراؤه اليهود مما استولوا عليه، وكان بإمكاني الاستيلاء على مناطق واسعة من داخل خطهم لو كان لدي احتياطي كاف.
وبعد هذا اليوم الخطير، استمر القتال في منطقتي ليلا ونهارا منذ 15 حتى 19 أيار وهو يوم دخول الجيش العربي الأردني إلى القدس وكانت تلك أخطر ليلة، إذ جلب اليهود نجدات كبيرة وضغطوا علينا ضغطا كبيرا حتى الصباح ولكنهم لم يتمكنوا ليلتها برغم ذلك من التقدم إلاّ بضعة أمتار.
وكنت قد أجريت محاولتين للسيطرة على عمارة كانت تعرف بمدرسة البوليس لأهميتها الاستراتيجية إذ تشرف على أحياء يهودية عدة منها مياشريم وبيت إسرائيل وغيرها، وكنت أعتقد أنها خالية من العدو. ولكن ما حدث عند اقترابي ورجالي هو انهمار سيل رصاص علينا، لنعيد المحاولة مرة ثانية ما أدى إلى إصابتي بأربع رصاصات كما استشهد أحد رجالي واسمه مروّح سعادة.
وأمرت باقي رجالي بالانسحاب وتمكنت بعدها سيارة إسعاف تابعة للجيش العربي من الوصول إلينا، ونقلتنا إلى رام الله حيث أمضيت الليل في مستشفى ميداني للجيش العربي، وفي الصباح نقلت إلى المستشفى الوطني في نابلس. وبعد أن رقدت في المستشفى لفترة، عدت إلى القدس وكان اليهود مايزالون يضغطون لاحتلالها تماماً، وهو ما أدى لقتال طويل أعقبته الهدنة الأولى ثم الثانية.
* وهل برأيك أن الجهاد المقدس وجيوش الإنقاذ العربية كان ينقصها التنظيم والتنسيق فيما بينها؟
(يضحك قائلا): بالتأكيد كان ينقصنا. لقد كنا في حقيقتنا ميليشيات مسلحة، فعلى مدار ما يقارب30 عاما، وهي فترة الانتداب البريطاني على فلسطين، كنا ممنوعين من حمل حتى السكين وليس السلاح فقط، فكان تسليحنا سرا. وبرغم ذلك حتى شهر آذار كانت كفتنا راجحة، ولكن بعد ذلك مالت لصالح اليهود.
* ثمة من يُلقون باللوم على الفلسطينيين لهرعهم من قراهم ومدنهم عند بدء هجوم العصابات اليهودية. ما رأيك بذلك؟
هذا كله كلام هراء، لم يكن لدى أعتى قرية ما يزيد على15 بندقية إن وجدت، فيما اليهود حصلوا على عشرات الآلاف من القنابل منها (مورتر 3 إنش) من العيار الثقيل، والتي كانت ترمى من بُعد 3 كيلومترات تقريبا قبل وصولهم القرية التي يريدون غزوها، وكان مطر القنابل هذا ينهمر على بيوت الفلاحين البسيطة فماذا تتوقعين منهم أن يفعلوا؟ هذا غير ما كانوا يفعلونه عندما يصلون للقرى، فيذبحون من يذبحون ويأسرون من يأسرون، وكانوا يطهرون هذه القرى تطهيرا عرقيا كاملا، كما كان الذبح جزاء من يفكر بالعودة. وهنا أود أن أتحدث عما جرى في قرية اسمها أبو شوشة من قضاء الرملة، والتي كان أهاليها قد سمعوا عما جرى في دير ياسين، كما لم يتواجد قربهم أي جيش إنقاذ أو جهاد مقدس، فتوجه وجهاء القرية للمستعمرة المجاورة وبلّغوهم أنهم مسالمين ولا يريدون إلاّ البقاء في قريتهم. ولكن ما فعله اليهود هو احتلال تلك القرية كباقي قرى فلسطين، وجمع أهلها في ساحة عامة محذرين إياهم بأن من سيبقى في بيته سيُذبح وخطب فيهم ضابط يهودي قائلا: هذه أرض إسرائيل وأجدادكم سرقوها من أجدادنا والآن عادت الأرض إلى أصحابها والطريق لخروجكم من هنا.
وبعدها تم إطلاق النار على الجموع وحتى الحيوانات لم تسلم، ولم يكتفوا بذلك بل طاردوا الهاربين إلى10 كيلومترات بينما نيرانهم تنهال عليهم.
وهذه الأحداث كانت على لسان 3 سيدات أقمن معي في نفس المستشفى بعد أن نقل من تبقى منهم للمستشفيات.
ما أود قوله هو أن التهجير كان مخططا له وخصوصا عبر منهجية المذابح، إذ حدثت أشياء لا يصدقها عقل من فِرَق الليل اليهودية التي كانت تنقض على القرى.
ولعل من أشهر كتاب اليهود الذين رووا هذه المذابح وفظائع التهجير والتطهير العرقي كان الكاتب اليهودي بييني موريس، الذي تحدث عن تلك الفعائل اليهودية في كتب عدة.
* يحيط بسقوط مدينتي اللد والرملة ملابسات عدة. هل لك أن توضح لنا ما حصل فيهما بالضبط؟
كان عدد سكان اللد كبيرا أي حوالي60.000 فلسطيني، وتعرضت اللد والرملة كما باقي مدن وقرى فلسطين للهجوم العسكري الصهيوني بعد صدور قرار التقسيم مباشرة، غير أنهما صمدتا أمام العديد من الهجمات. وكان للمجاهد حسن سلامة الذراع الطولى في هذا الدفاع. وما زاد على اللد هو هرع أهالي قرى منكوبة أخرى إليها عندما سقطت قراهم. وبعد أن انتهت الهدنة التي حصل خلالها اليهود على مدد عسكري كاف، انقضوا بقيادة الجنرال رابين الذي استخدم أسلحة مدرّعة منذ الفجر حتى الظهر، حتى انهارت إمكانيات المجاهدين بسبب عدم حصولهم على أسلحة ضد الدروع، وبالتالي سيطر اليهود على المدينة وأعملوا في أهاليها القتل وخصوصا ما حصل في الجامع الكبير الذي استشهد فيه قرابة الـ100 فلسطيني غطت دماؤهم المكان.
وبالعودة لمراجع اليهود فإن رابين سأل بن غوريون بعد ذلك: ماذا أفعل بهؤلاء؟ (أي أهالي اللد)، فأشار بيده بما معناه اطردهم.
وبالفعل طلب جيش العدو من خلال مكبرات الصوت من أهالي اللد الخروج وأن من سيبقى منهم سيُقتل.
وكان المخرج من منطقة جبلية وعرة، ليطاردهم جيش العدو بينما هم خارجون ولمدة دامت3 أيام، وليصادروا منهم كل ما هو معهم حتى حليب الأطفال، إلى أن وصلوا إلى رام الله وبير زيت.
والقضية ليست في سقوط اللد أو الرملة أو غيرها من القرى والمدن الفلسطينية، إذ إن كلها تصب في خانة واحدة وهي المؤامرة البريطانية الصهيونية على الشعب الفلسطيني، وما أدت إليه من معركة غير متكافئة بكل المقاييس.
<!--dotjo_cached_08-05-29 08:19:09-->كتبها رشا عبدالله سلامة في 05:16 صباحاً ::
الاسم: رشا عبدالله سلامة
