الاسم: رشا عبدالله سلامة
البلد: الأردن
التصنيفات : خاصة,ثقافة وفن,أدب وكتب,تسلية وأفلام وتلفزيون,ديانات,المرأة
أظهر كافة المعلومات
| ► | حزيران 2009 | ◄ | ||||
| سبت | أحد | إثنين | ثلاثاء | أربعاء | خميس | جمعة |
| 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | ||
| 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 |
| 13 | 14 | 15 | 16 | 17 | 18 | 19 |
| 20 | 21 | 22 | 23 | 24 | 25 | 26 |
| 27 | 28 | 29 | 30 | |||

رشا عبدالله سلامة
"يبكي ويضحك.. لا حزنا ولافرحا".. تماما كما الحالة النفسية المتأرجحة التي تصفها كلمات أغنية فيلم "باب الشمس"، المأخوذ عن الرواية التي تحمل نفس الاسم لكاتبها اللبناني إلياس خوري، فإن ذات الحالة لا تلبث تنسحب على ردة فعل من يتأمل في هذا العمل الأدبي الذي حظي في نهاية العقد الماضي بحفاوة بالغة.
رشا عبدالله سلامة
كم هي قلوب الإسرائيليين مفعمة بالطيبة والرومنسية، وكم تضج بالإنسانية والنبل لاسيما عندما يتصدون للدفاع عن الفلسطينيين… تلك بعض من الرسائل التي يرنو الفيلم الهوليودي الجديد "الرقص مع بشير" إلى إيصالها للمشاهد، بعد 61 عاماً من اغتصاب الصهاينة لفلسطين، و26 عاماً من مجزرة صبرا وشاتيلا التي لم تكن غير واحدة من المجازر التي ثَمِل فيها العالم على صرخات الفلسطينيين ودمائهم.
كان مخرج الرقص مع بشير (آري فولمان)، مجنداً في صفوف الجيش الإسرائيلي الذي أشرف على مذبحة صبرا وشاتيلا، و التي اقترفتها الكتائب المارونية بحق الفلسطينيين العزل في لبنان، الأمر الذي جعل ذاكرته تمحو تلقائياً مشاهد تلك المذبحة وإرهاصات اجتياح بيروت في العام 1982، حتى شكى إليه أحد أصدقائه المجندين - منذ وقت ليس بالبعيد - أن كابوساً يطارده منذ أيام الاجتياح تلك، ويتمثل في 26 كلباً مسعوراً يلاحقونه، بعد أن قتل 26 كلباً في اجتياح إحدى المناطق اللبنانية، ما حدا فولمان لإعادة استنطاق الذكريات عبر شهادات حية حصل عليها من زملائه في تلك الحرب.
الفيلم، الذي ارتأى مخرجه أن يقدمه للجمهور عبر لقطات كرتونية، يمزج الفن بالوثائقيات، غير أنها لم تكن سوى وثائقيات مبتورة لحقيقة الفظائع التي حاقت بالفلسطينيين حينها، مع تجميل فج للنفسية والعقيدة العسكرية الإسرائيلية، التي تدّعي أنها لو كانت تعلم ما تخطط له الكتائب لما سمحت بحدوث المجزرة حينها.
الكتائب ليست بالبريئة إطلاقا، فأياديها ملوثة بدماء الفلسطينيين على مر التاريخ؛ ولعل مقولة بشير الجميّل ذات مرة بأنه سيسعى لتحويل المخيمات الفلسطينية في لبنان إلى حدائق للحيوانات وملاعب للتنس، لهي أوضح دليل على حجم الحقد غير المبرر، والذي ما كانت المقاومة الفلسطينية في لبنان سوى شماعة تعلق عليها الكتائب جرائمها ضد الفلسطينين؛ وليس أدل على ذلك من حقيقة أن لقاءات الجميّل مع جنرالات إسرائيل وزعمائها كانت قبل أن تعرف الثورة الفلسطينية طريقها إلى لبنان، غير أن كل ذلك لا يبرئ البتة الإسرائيليين من تاريخهم الملطخ بل والغارق بدماء الفلسطينيين منذ ما قبل احتلالهم رسميا وحتى اليوم.
من يشاهد الفيلم يفهم السر في سعة الصدر الهوليودية المفاجئة، والتي جعلتها تعرض فيلماً يتطرق - ولو بلمحة - للمأساة الفلسطينية، إذ أن عوامل عدة أسهمت في تقبل ذلك، منها: ربط المذبحة التي تعرض لها الفلسطينيون في صبرا وشاتيلا بالمحارق النازية التي تعرض لها اليهود على أيدي النظام النازي، ما يعد فرصة لليه
رشا عبدالله سلامة
رشا عبدالله سلامة
لم أؤمن يوما بأن إيداع الأمنيات في ثنايا البحر، يحققها بكل تلك السرعة، لاسيما عندما يكون البحر هو الميت، وتكون الضفة الغربية المحتلة هي وجهة الأمنيات.
ولم يجل بخاطري أن أشواقي التي رددتها على ضفة البحر الميت بكلمات الشاعر الفلسطيني الراحل توفيق زيّاد عندما قال "شوق التراب لأهله في الضفة الأخرى"، لم يجل بخاطري أنها ستروي ظمأي في أقل من أسبوع، لأعانق بقلب مفتوح على مصراعيه تفاصيل وطن لطالما حلمت به و بذرته في عنقي قلادة تبرمج نبضي.
الخميس ليلا، الموافق التاسع عشر من آذار من العام 2009، جاء صوت رئيس اللجنة العربية لاحتفالية القدس عاصمة الثقافة العربية إسماعيل التلاوي، معبقا بالشجن من رام الله.. هاتفني ليقول لي "في الثامنة إلا ثلث صباحا كوني منتظرة على باب فندق كراون بلازا، كي تصحبك والوفد سيارات السفارة الفلسطينية إلى فلسطين.. و اتركي الباقي والتفاصيل علينا".
تجمدت الكلمات.. وأحسست بأوداجي تتدفق دما حارا.. هرعت نحو عائلتي المتحلقة في غرفة الجلوس.. نظرت في وجوههم ثم هممت بالصراخ والرقص و القفز بلا وعي في جنبات المكان.. بينما هم ينظرون إليّ بذهول، لألثم بعدها الأرض ساجدة لله فيما كنت أبكي وأضحك في الوقت ذاته. أمسكتني أمي بهدوء، وسألتني مرارا "ما القصة؟"، أجبتها بارتعاد تلك الإجابة التي عشت أحلم بها "غدا سأسافر لفلسطين".
عقدت المفاجأة لسان عائلتي، والداي لم يتحمسا للفكرة، لا لشيء، بل لأنني سأذهب للمجهول بحسب قولهما.. فسّرا لي قلقهما، قائلين "لم تذهبي هناك من قبل، و لا تعلمين شيئا عن حجم المعاناة الموجودة.. وليس مضمونا بعد أن الفعاليات منظمة، وأنك ستستطيعين الوصول لقريتنا المقدسية أبو ديس".
لم يكن لدي وقت للحديث والجدل، عاجلتهم قائلة "لو كلفتني الرحلة عمري ثمنا سأذهب، ومهما كانت العواقب والمخاطر".. صوت داخلي ظل يردد في أعماقي "لا خوف على من يذهب لحضن وطنه، فهو كمن يذهب وديعة عند الله".
مرت الساعات بطيئة ثقيلة حتى انبلاج الصبح. رتّبت ملابسي على عجل، ليتبيّن لي لاحقا بأني نسيت معظمها في خضم ذهولي.. غفوت في الثالثة والنصف صباحا، واستيقظت بهلع في السادسة والنصف.. استعجلت والديّ سريعا ليقلاّني إلى كراون بلازا.. كنت أسابق اللحظات.. حتى حانت اللحظة التي مضت بها "جيبات" السفارة إلى جسر الملك حسين.
في الطريق اكتشفت أني لا أملك غير صورة شخصية واحدة قديمة، بينما المطلوب صورتان. قال لي السائق "الله يستر ما يعملولنا مشكلة"!!
التهب قلبي خوفا، بيد أني طمأنت نفسي بعبارتي إياها "لاخوف على من يذهب لحضن وطنه، فهو كمن يذهب وديعة عند الله".. مضت تلك اللحظات، على الحدود بين الأردن وفلسطين، بقلق وترقب وخوف، وكدت أسمع حينها نبضي من شدة تسارعه.
أخيرا.. مضينا نحو فلسطين، وكنت ألتقط أنفاسا عميقة لأهدأ من روعي، غير أن صدمتي الأولى كانت عندما وقفنا على نقطة الحدود الفلسطينية، وإذ بأعلام الكيان الإسرائيلي تنتصب في كل ركن، وإذ بالإسرائيليين يتوزعون في كل جنب، بحديثهم العبري وقبعاتهم القميئة ومجنّديهم الذين تفوح منهم رائحة الحقد والعنصرية.. لم أستطع لحظتها استيعاب الموقف، كنت أتلفت يمنة ويسرة لأرى ولو علما فلسطينيا واحدا !! وكنت أسأل ذاتي: ألسنا قادمين بتصريح فلسطيني لزيارة الأراضي الفلسطينية الواقعة تحت حكم السلطة الفلسطينية؟
تمت إجراءات دخولنا بيسر، تحت مسمى وفد رسمي، غير أني كنت أحدق في عيون أعضاء الوفد معي لألتمس تفسيرا، فلم أر غير عيون تفر من بعضها ارتباكا، حتى تمركزت أمام ناظرنا نجمة داوود كبيرة على تلة مقابلة لمخرج الحدود.
حبست أنفاسي ترقبا للدقائق القادمة عندما استقلينا حافلات صغيرة إلى أريحا.. وما هي إلا دقائق حتى رفرف العلم الفلسطيني عاليا، لتطوقنا الكوفيات الفلسطينية من قِبل منظمي الاحتفال وأعضاء من وزارة الثقافة الفلسطينية.. حينها أسلمت نفسي لنسيم أريحا غير مصدقة ما يحدث.. كنت أتحسس وجهي كل دقيقة وأربّت على وجنتيّ لأتأكد من كوني لا أحلم !
هرعت كاميرات التصوير الفوتوغرافي والتلفزيوني لالتقاط الصور والمشاهد لنا، بينما أخذت مكانا قصيا هائمة على وجهي، حتى ذهبنا جميعا لبلدية أريحا.. وعندما جلسنا هناك لسماع كلمات الترحاب، كنت أمسح بكفي على كل حجر أمرّ عنه، وعلى كل مقعد وغصن. وفي غضون لحظات، لم أشعر بدموعي إلا وهي تنهمر بلا هوادة، حينها انسحبت خارج المبنى وأجهشت في بكاء مرير بينما كنت أتأمل نخيل أريخا وعذوبة هوائها وسمرتها الساحرة.
وبين أعمدة التاريخ المترامية، مشينا جميعا نتخلل أطلال قصر هشام الرابض في قلب الأرض منذ العصر الأموي. وكنت أسأل ذاتي: ماذا لو كان هشام بن عبد الملك ما يزال حيا ليرى ماذا حل بفلسطين؟ وقبل أن أخمّن الإجابة، وقعت عيناي على شجرة الحياة المنقوشة بالفسيفساء في إحدى قاعات القصر المتبقية، والتي تختزل بنقوشها صراع الخير والشر منذ بدء الخليقة.. حينها ضجّ قلبي بالدمع، وكدت أجزم بأن كل من سكن هذه الأرض من عرب ومسلمين كان يتوجس خيفة من جمالها وسرها الديني، إلى حد يتكهن فيه بأن قوى الشر لابد وأن تشتهيها فتغرس أنياب الاغتصاب القذرة في جسدها الغض.
مضينا بعدها للكلية الأمنية التابعة لحركة فتح، ذُهلت من فخامتها، وعلمت لاحقا أن دولا تبرعت بتكاليفها، غير أن استياء عارما أصابني عندما كان مبرر الزيارة من قِبل المنظمين هو دحض ادعاءات من يقولون بأن عناصر فتح يتلقون تدريبهم على أيدي الإسرائيليين.. شممت رائحة الحديث الذي كنت متخوفة من سماعه منذ علمت بأني سآتي لفلسطين: حديث الانقسام الفلسطيني.. هرعت خارج المبنى كي لا تتبدد شاعرية الموقف بالنسبة لي على الأقل.
استقلينا الحافلات مجددا نحو مقر الإقامة الذي سيكون، نحو بيت لحم. وصممت أن أجلس إلى جوار السائق أشرف، الذي خلته إسرائيليا منذ قاد بنا المركبة على الحدود الفلسطينية.. كم كان مقدسيا لطيفا عندما رفع نظارته الشمسية وضحك لحظة سؤالي له: هل أنت فلسطيني؟، ليحدثني بعدها ببراءة طفولية عن هديته لوالدته وخطيبته في عيد الحب، وليربط حديثا آخر بذات البراءة والعفوية عن معاناة الفلسطينيين تحت نير الاحتلال لاسيما المقدسيين منهم.
أخبرته بأن أصلي من أبو ديس، وإذ به بعد أن مضى بنا عبر طريق وعر قاس اسمه وادي النار، يقول لي: نحن الآن في قرية العيزرية، وما كدت أربط حديثا قاله لي والدي ذات مرة بأن العيزرية ملاصقة لأبو ديس، حتى عاجلني قائلا: نحن الآن في أبو ديس.. في لحظات حدقت في المكان مذهولة وأغمضت عينيّ بكفيّ، ولم أشعر بأناملي إلا وهي تلطم عيوني ووجنتيّ.. انسابت دموعي من رهبة المشهد الأول لقريتي.. لقد رأيتها شاحبة حزينة يقسمها جدار إسمنتي مرعب.. أحسست لحظتها أنني كعاشقة انتظرت دهورا لتلاقي معشوقها الوسيم، فإذ بها تراه بذات الوسامة الأصيلة، غير أن الزمان قد جار عليه، فغدا مقعدا مبتور الأطراف.
نزل الوفد من الحافلات لرؤية مدخل جامعة القدس في أبو ديس، وشعرت بقدمي لا تقويان على الحراك، فبقيت في مقعدي حتى رجتني زميلتي الإعلامية حنان الشيخ أن أقف لدقائق على أرض أجدادي. رفضت وقلت لها: لا أستطيع.. غير أن خوفا دب في أوصالي من أن تستجد أي مفاجئات تمنع زيارتي لأبو ديس في الأيام المقبلة، لذا نزلت من الحافلة ووقفت لدقائق على أرضها أتأمل كل ذرّة تراب
حولي..
حانت ساعة الذهاب بعدها إلى بيت لحم، وكنت أودعت أبو ديس سلامي واعدة إياها بالمكوث في الأيام المقبلة حينها أطلت بيت لحم بعراقتها ووقارها وهيبتها المسيحية المتأصلة في جنباتها..
وكنت أتأمل على جنبات الطرق، كما في أريحا، نبتة "الخبيزة"، لأبتسم عند رؤيتها بمرارة، إذ ليست بالأكلة الفلسطينية المعروفة فحسب، بل فيها تتمثل القصة الفلسطينية بأدق تفاصيلها، فمن بين الصخور والحجارة والمياه الآسنة والأزقة الوعرة تنمو ويشتد عودها، تماما كما الفلسطينيين الذين نبتوا و تفتح زهرهم و ما يزال من بين كل معيقات وشظافة الاحتلال ومخيمات اللجوء.
مشاهد كثيرة علقت في ذاكرتي منذ لحظة وصولي فلسطين حتى دخولي فندق الانتركونتننتال في بيت لحم.. مشاهد هزت قلبي بعنف؛ الجدار الذي يخاله الناظر يريد مطاولة السماء لحجب الهواء عن الفلسطينيين.. المستوطنات الممتدة كالسرطان المتفشي وأولها "معاليه أدوميم" التي قضمت أراضي أبو ديس والعيزرية والتي تسعى للامتداد حتى أريحا.. جنود الاحتلال الذين تفوح ألوانهم بكل كابوس مقزز.
وفي بهو وردهات الفندق أيقنت بالفعل أنه قصر قديم تم تحويله لاحقا لفندق. عبق التاريخ الفلسطيني الأصيل كان يكسو تفاصيله كلها.. وعندما ولجت غرفتي في الطابق الخامس، أطللت من شرفتها على بيت لحم الممتدة أمامي بخضرتها وبداعة بنيانها الذي يمزج القديم بالحديث.. استسلمت للنوم خلال لحظات بعد أن أقفلت الستارة سريعا خوفا من مواجهة ما خلته حلما، فلم أزل حينها بعد غير مصدقة أنني على تراب فلسطين.
مساء استيقظت، ليجتمع الوفد كله في بهو الفندق، ولنتوجه جميعا لمقابلة الرئيس الفلسطيني محمود عباس.. مضينا بسيارات السلطة الفارهة مجددا نحو مقر الرئيس في بيت لحم.. هناك أحسست بمشاعر متضاربة؛ فمن دهشة لحجم الفخامة التي تكسو جنبات المقر، إلى إحساس بالشجن لمقابلة رئيس دولة فلسطين المحتلة، وما يعنيه ذلك من قيمة رمزية مهما كان حجم الاختلاف مع منهجية السلطة الفلسطينية حاليا.
وبعد أن انتهى اللقاء وعدت مجددا حيث غرفتي في الفندق، بقلب يترقب انطلاق الفعاليات في اليوم التالي، أحسست لحظتها بمشاعر أسى كبير تتملكني من مشاهد الاحتلال المؤلمة التي واجهتها منذ اللحظة التي وطأت فيها أرض البلاد، وما انتشلني من مشاعري غير إمساكي بالقرآن الكريم فجأة، لأفتح أي صفحة عشوائية، لتقع عيني على آية "إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون".. لحظتها اطمأنت نفسي، وشعرت بأن الله قد يقول في أي لحظة بأن ينتهي الاحتلال وأن تعود فلسطين عربية مسلمة حرة.. حينها استسلمت لنوم عميق حتى أشرقت شمس اليوم الثاني في فلسطين.
منذ الصباح، هرعت للشرفة، وتأملت بجسارة بيت لحم بخلاف ما حدث معي في الليلة التي سبقتها، غير أن التخوّف والتحسب للعودة بدأ يدب في قلبي، في نفس اللحظة التي استوعبت فيها بأني في فلسطين.
توجهنا بعدها والوفد الكويتي لزيارة كنيسة المهد والبلدة القديمة في بيت لحم، وكنت أشعر في أعماق قلبي ونفسي بأنني "بنت البلاد وصاحبة الدار"، وبأن عليّ إعطاء الأولوية لأخواتي الكويتيات في ركوب السيارات وحتى في الاستفسار وطلب المساعدة في أي موقع نتواجد فيه.. وكم تهت فخرا وفرحا غير مسبوق بهذا الشعور، فهي المرة الأولى التي أكون فيها "صاحبة الدار" في فلسطين.
مضينا نحو كنيسة المهد وساحتها التي تصهر الأديان معا، بضمها مسجدا وكنيسة قبالة بعضهما، وبتداخل بديع بين الأذان والأجراس. في قلب الكنيسة لمست الموقع الذي شهد ميلاد المسيح عليه السلام، ومشيت متأملة في المغارات وجنبات الكنيسة المترامية، ولم يكن يتبادر لذهني حينها إلا ما فعله اليهود بعيسى عليه السلام وأرضه، منذ ذلك الحين وحتى اليوم.
ولعل كنيسة المهد لتشهد على حجم التجبر الإسرائيلي بأتباع الديانات كافة، عندما التحم المسلمون والمسيحيون في قلبها، فباغتهم جنود الاحتلال بالاجتياح والتدمير ضاربين بعرض الحائط قدسية المكان في العام 2003.
أنا الآن إذا في بيت لحم، أمشي في طرقاتها وأتنشق نسيمها وأنعم بشمسها وجمالها.. وأنا كذلك إلى جوار جدار العنصرية الذي يطوقها، والذي لمسته بيدي للمرة الأولى فشعرت بحجم وحله وقذارته، ما حداني لإبعادها سريعا، لأتأمل من على بعد أمتار ما كتبه أبناء شعبي عليه.. ثمة من كتب عليه فلسطين عربية، وثمة من رسم عليه إشارة النصر، بيد أن من أكثر ما استرعى انتباهي ما كتبه أحدهم "هذا جداري"!! ابتسمت حينها إعجابا، وقلت: ترى ما حال جنود الاحتلال عندما يقرأون هذه العبارة تحديدا؟ فالفلسطينيون يسعون لتذكير الإسرائيليين كل لحظة بأن كل ما على تلك الأرض من حقهم، حتى الجدار العنصري المشيد على أرض فلسطينية، والذي سيهدمه الفلسطينيون تماما كما هدم الألمان جدار برلين.
أماني.. صبية جامعية صغيرة رافقت الوفد تطوعا.. كانت محملة بشجن يفوق عمرها الفعلي.. أسرّت لي ولزميلي الإعلامي محمد زكري بموقف حدث لها مع جنود الاحتلال قبل أشهر.. قالت "كنت أنا وزميلي في يوم ذاهبين من بيت لحم لأبو ديس حيث جامعة القدس، وفي الطريق أوقفنا جنود الاحتلال ليسألوننا عن بطاقاتنا الجامعية. وعندما قرأوا أني طالبة حقوق وزميلي طالب فيزياء، استشاطوا غضبا، وأمرونا بالعودة أدراجنا بحجة أنني سأصير يوما محامية وأرفع على كيانهم قضية في المحاكم الدولية، وبأن زميلي سيصنع يوما متفجرات وأسلحة ضدهم".
غرقت في ذهولي من حديث أماني، التي أردفت قائلة "نمشي في المعابر على حدائد بارزة تمر عنها عجلات المركبات، فترتعد منها أجسادنا.. نحن واثقون من أن ثمة شيء ما غريب في هذه الحدائد".
مضت أماني تتحدث عن موقف آخر حدث لها أثناء الحرب على قطاع غزة في الأشهر الماضية. تقول "كانت قلوبنا حينها تعتصر ألما على أحداث غزة، فيما جنود الاحتلال يرفعون أصوات الغناء الصاخبة على المعابر، ويسألوننا: مبسوطين؟؟".
وبينما كنت مستغرقة في الحديث مع أماني، نزل طفل تلحمي صغير من حافلته المدرسية، يتقافز بين السيارات وعلى جدار منزله بجرأة بالغة، حينها علقت إحدى عضوات الوفد معنا بعفوية، قائلة "هاي شخصيات رجال مش أطفال".
مشاهد كثيرة ما تزال تتراءى في ذاكرتي أثناء التجول في بيت لحم، العيادة البيطرية التي رأيتها على قارعة الطريق، والتي يشي بابها بالقدم في وقت لم أرصد فيه أي عيادة بيطرية معروفة في بلدان عربية عدة زرتها.. الحملة التي حدثتني عنها أماني والتي كانت تهمّ وزملاءها لتنظيمها وهي "المساهمة في مسح آثار الدماء عن أرض غزة".. كذلك قريبة أحد المناضلين التاريخيين التي جلست إلى جوارها في المؤتمر بينما كانت تروي لي بدموعها كيف عاشت عمرها كله في انتظار يوم تعانق فيه فلسطين.. دبكة الوفد الكويتي بعفوية وتلقائية في ساحة كنيسة المهد على أنغام أغنية "علّي الكوفية".. العبارات الموزعة على جنبات الطرق لجمعيات شبابية، تقول فيها "لا للتدخل الإيراني في القرار الفلسطيني"، فيما كنت أتحسر على التنطّح للشقيق بعبارات من هذا القبيل عوضا عن تعليق عبارات ضد الاحتلال وأذنابه في المنطقة.. الدكتورة الكويتية التي كانت من ضمن الوفد، والتي بقيت أرمقها بفضول منذ بداية الرحلة، وإذ بها من قريتي وتحمل الجنسية الكويتية، والتي ما إن عرّفتني باسمها فاطمة سلامة عيّاد حتى احتضنتها ومشينا سويا نتطارح شجون الوطن المحتل.
وفي طريقنا عصرا نحو افتتاح الفعاليات، تناهى لمسامعي ذات الحديث الذي ظللت أتهرب منه؛ حديث الانقسام الفلسطيني. لم يكن ثمة مجال للتنصل من المكان، إذ نستقل كمجموعات المركبات الفارهة المتأهبة لنقلنا.. كنت أعتصر ألما من الحديث عن ابن البلاد الذي رضع الحليب ذاته وتنشق الهواء نفسه و ذاق الويلات عينها، الحديث عنه بأسلوب يكاد يشابه بل يفوق في أحيان الحديث عن المحتل الإسرائيلي.. ولعل من أطرف ما في الحديث الآنف أن الجميع ينهيه بالعبارة ذاتها "نحن نريد وحدة الصف الفلسطيني، بس —–"، لتعود الكرّة من جديد.. وكان السؤال الذي يتبادر لذهني لحظتها: ترى هل سيغدو الانقسام الفلسطيني من ضمن المسلّمات أيضا في ثقافتنا السياسية، مثلما غدا الاحتلال والفشل والانكسار من ضمن المسلّمات؟
وعندما انطلقت شرارة الاحتفال في قصر المؤتمرات في بيت لحم، رصدت الحسرة في عيون جل المتواجدين؛ إذ نحتفل بالقدس ونهتف لها، فيما جنود الاحتلال يُطبقون عليها بمخالبهم كل يوم.
وكم تمنيت في قرارة نفسي لو استبدلنا قصر المؤتمرات الفاره باحتفال متقشف متواضع على معابر القدس، لنبرهن للعالم كله أننا ممنوعون من تنشق هواء القدس والتنعم بمقدساتنا وإرثنا المتغلغل بها.
توالت الفقرات الاحتفالية، غير أن أغنيتيّ "فدائي" و"علّي نارك يا ابن كنعان" أنعشتا قلبي على نحو خاص؛ إذ شعرت بإرث الثورة الفلسطينية الفني والثقافي ما يزال حيا، بعد أن تفشت دعوات الانبطاحية والتبرؤ من تلك المرحلة بكل ما ومن كان فيها.
نمت ليلتها بعد أن حاولت اعتصار ذهني؛ لأرصد أي المشاهد واللمحات كانت الأكثر تأثيرا وجلبا للفرح في نفسي، فما وجدت أكثر من اسم "منظمة التحرير الفلسطينية"؛ لشدة ما يحييه هذا الاسم من آمال وشجون فطمتنا أمهاتنا عليها بعيدا عن حسابات الانقسام الضيقة التي طرأت في الزمن الرديء.
صبيحة اليوم الثالث حذرني الزميل الإعلامي يوسف الشايب من زيارة مدينة الخليل، لما تعج به من آلام ومآس، متبعا حديثه بكثير من التخوّف، عندما قال "إسرائيل تخطط لحفر أنفاق كي نتنقل من خلالها على أرضنا المحتلة.. بضع أشهر وسيحرمنا الإسرائيليون حتى من شمس فلسطين".
ارتعدت أوصالي من حديث يوسف، حتى لاح لي في بهو الفندق وجه عمي أبو فايز بابتسامته المطمئنة وزوجته التي تنطق ملامحها وانفعالاتها بكل ما هو حيوي وجميل رغم آلام الاحتلال.. هبّت عليّ حينها نسائم أبو ديس، لاسيما بعد مغادرة الفندق لإمضاء أيام الزيارة المتبقية بين أهلي الذين حرمني منهم جور وجبروت الاحتلال.
ولّينا وجوهنا شطر قرية أرطاس في قضاء بيت لحم، والتي تضم ديرا كبيرا يربض في بطن وادي مطوق بجبال خضراء كانت تسمى قديما بالجنة المغلقة، لتطل على برك سليمان المحاذية لها.. علمت حينها سبب تسمية هذا المكان الساحر بالاسم الآنف، حتى وقعت عيناي على البيوت المنهكة قبالة كل هذا الجمال. وما زلت لا أعلم حتى اليوم سبب الخجل الذي اعتراني لحظتها إلى حد لم أملك فيه التدقيق في وجوه الأطفال والشيوخ على قارعة الطريق؛ فأنا منهم وهم مني، بينما كنت أمضي ليلتي في الاحتفال الباذخ فيما لا أعلم إن كان أهالي أرطاس وجدوا ما يسدون به جوعهم ويستر بردهم.. خجلت حينها من كوني لم ولن أختلف من وجهة نظرهم عن أي سائحة تأتي للبلاد للتفكّه والتنعّم بالجمال، فيما المرابطين من أهل المكان يسفّون التراب في أزقة قريتهم المتعبة من ثقل الاحتلال المطبق.
غير أن كل ذلك، لم يكن شيئا بجانب بؤس الخليل وقراها الرابضة بعنفوان كما عنفوان أهلها. وأكاد أجزم بأنه لولا الحنان الذي كان عمي أبو فايز وزوجته يطوقانني به، أثناء مشيي في أزقة الخليل وأسواقها القديمة، لكنت فقدت صوابي من بؤس ما رأيت في مدينة خليل الرحمن التي لطالما سمعنا عن عزّها وأمجادها التي مضت.
فوق أزقة الخليل المؤدية للحرم الإبراهيمي كان ينتصب سلاح مجند إسرائيلي، فيما على مشارف الحرم كانت نقطة تفتيش إسرائيلية مقززة لم تسلم من تجبرها حدائد الأحذية ولا الأحزمة ولا حتى "الجاكيتات" و"البناطيل" ! وما كادت نقطة التفتيش الآنفة تنتهي على خير أو غير خير ، حتى ظهرت أخرى على باب الحرم تماما، لتليها الثالثة عند مقام السيدة سارة، فيما أصوات الصلوات اليهودية تتعالى لتشوّش على تسابيح المسلمين في القسم الذي أبقاه اليهود لهم مهملا بائسا محروما من الصيانة والترميم.
في قلب الحرم الإبراهيمي كدت أشتم رائحة الدماء التي أراقها الإسرائيليون في العام 1994 عندما أوقعوا بالمصلين المجزرة المروعة.. ولم ألحظ تلك الدمعة وهي تنساب من عيني عندما
رشا عبدالله سلامة
رشا عبدالله سلامة
لم يبالغ أحد مفكري العرب الجدد حين قال ذات مرة متهكما “علينا أن نكنس عتبات منازلنا، قبل أن نسعى لكنس الإمبريالية عن أوطاننا”.
ولربما كان حريا بمفكري العرب كلهم، أن يصلوا للنتيجة ذاتها، وأن يضيفوا عليها: فلنقمع عقدة “الديكتاتور الكرتوني” في ذواتنا، قبل أن نتلبّس بأقنعة المعارضة والإصلاح ومشاريع كنس الاحتلال عن أوطاننا المحتلة.
“الديكتاتور الكرتوني” يعيش في قلب كل عربي، بل ويسكن أحلامه منذ نعومة أظفاره، غير أنه يبقى نائما مخدرا حتى يعتلي سدة السلطة، أيا كانت بساطتها أو عظمتها، فلا يلبث حينها أن يستيقظ ليتفنن في استعراض بشاعات وشنائع الديكتاتورية، مسبغا، عن غير قصد، على ذاته الهشة صفة “الكرتوني”؛ لخوفه حتى من نسمة الهواء، وحتى من همسات المعارضة التي يهجس بها وإن لم تكن موجودة إلا في ذهنه المشوّش، وحتى إن لم تعدُ تلك الهمسات مجرد غمز في قميصه غير المكوي بعناية!
الطريف في “الديكتاتور الكرتوني” أنه ينسى أو يتناسى تمجيده، حتى الأمس الذي يسبق اعتلاءه السلطة، تمجيده الثورة والثائرين، والتمرد والمتمردين، وأصوات الحق والحقيقة التي تعلو مرة يتيمة كل مائة عام أو يزيد!
في وقت تنشغل فيه أقطاب القوى العالمية بدولة إيران وقضاياها المتعلقة بمنطقة الشرق الأوسط، تختمر مواقف متباينة للشارع العربي حيالها؛ فمن فئة تعوّل على الدور الإيراني لـ”استرداد الحقوق العربية المسلوبة” و”ترجيح كفّة الدول الإسلامية في المعادلة العالمية”، إلى فئة مقابلة تشير إليها بأصابع الاتهام لـ”تأجيجها الفتن الداخلية في الدول العربية”، بحسبها، والسعي لـ”استرداد السطوة الفارسية على دول المشرق”.
أبو عبادة (34 عاما)، لا يرى في إيران مصدر تهديد للعالم العربي، قائلا: “لم تكن إيران يوما خطرا على العرب، بل أثبتت نجاعتها في تقوية موقفهم وتحديدا في بند المفاوضات”. ويوضح ” إيران هي من دعمت حزب الله اللبناني في حرب تموز، وهي من أسهمت بشكل رئيسي في هذا الانتصار الذي حرّك مسار المفاوضات لصالح العرب”.
أبو عبادة يرى بأن من يروّجون الدعايات ضد إيران، من دول وأفراد، “لم يقدموا بدورهم شيئا للأمة”، مستشهدا بتقرير كان قرأه في مجلة “التايمز”، مفاده “أن أميركا توصل فكرها للعالم عبر عملاء عرب منهم إعلاميون”، بحسبه.
وتترسخ القناعة الآنفة لدى أبو عبادة، لكونه مؤمنا بأن الحديث عن “المحور الإيراني: سورية وحزب الله وحماس” لا وجود له إلا في “آلات الإعلام المتأمركة”.
ويسوق المثال على ذلك بأميركا، التي يرى بأنها “لا تأبه للسني أو الشيعي، بل للذي يحقق مصالحها”، قائلا “ها هي أميركا تُسقِط النظام السني في العراق وتستبدله بآخر شيعي موالٍ لها، في وقت تهاجم فيه الشيعة في إيران وجنوب لبنان”.
على الطرف المقابل، يشكّل إبراهيم بكر (28 عاما) موقفه حيال إيران بناء على معايشته لشعبها، بحسبه.
يقول “لقد رأيت شقين من الإيرانيين: شقا مواليا للملك الشاه، وشقا مواليا للنظام الحالي، بيد أني لم أرصد أي تقارب بين صورتهم الشعاراتية التي نراها على التلفاز، وبين واقعهم الشعبي الحقيقي”.
واستنادا إلى ذلك، يقول بكر “أكاد أكون جازما بأن إيران لا تريد إلا بسط سيطرتها”، مستشهدا بـ”تسميتها منطقة الخليج العربي بالخليج الفارسي حتى اليوم”، بحسبه. بيد أن بكر لا يقف كثيرا عند الطرح القائل بأن إيران تسعى لنشر المذهب الشعبي، إذ يرى بأنها تهدف لـ”بسط نفوذها السياسي على المنطقة وليس الديني”.
يجيب أحمد إبراهيم (25 عاما) إجابة مقتضبة، قائلا “أعتقد أن إيران تغرق في الشعارات، غير أنها ليست بالسوء الذي تصوره الأنظمة العربية”.
بينما ترى ثروت حناحنة (38 عاما) أن الآراء حيال إيران “تتأرجح شعبيا ما بين يوم وآخر”. وتقول “الناس تتخوف في أحيان من تأثير إيران الشيعي، غير أنهم فرحون بموقفها الداعم لحركات المقاومة كحم
رشا عبدالله سلامة
يرى مفكرون عرب أن صبغة التطرف ستكون هي المهيمنة في المنطقة، ويعتقدون بحتمية حدوث ذلك، على ضوء النتائج التي رشحت عن الانتخابات الإسرائيلية، وتمثلت بتقارب النسب بين حزبي الليكود اليميني المتطرف، وكاديما الوسطي.
ويرى المفكر المصري خليل العناني بأن “إيلاء الإسرائيليين الأولوية للخيار الأمني على حساب السياسي” هو الذي حسم المعركة الانتخابية، موضحا أن “اليمين المتطرف هو الذي يؤمن بالحل العسكري لمواجهة أي تهديدات أمنية”.
وسيعود مسار القضية الفلسطينية لمرحلة ما قبل أوسلو، بحسب العناني، الذي يقول “ليس الفلسطينيين وحدهم من يؤمنون بأن السلام لن يلبي احتياجات مجتمعهم، بل والإسرائيليون كذلك”.
ويبدي العناني تخوّفه من “سيطرة اليمين” على المشهد الإسرائيلي، معتقدا أن ذلك سيجعل من خيار السلام “مستبعدا وغير واقعي” في الوقت الراهن، ذلك أن الجانب الفلسطيني والعربي يريد “خيار التحرير”، فيما يولي الجانب الإسرائيلي اهتمامه لـ”الشق الأمني”، الذي يتناقض ومساعي السلام، كما يدل على “الفوبيا الأمنية” في المجتمع الإسرائيلي.
وما يريده الإسرائيليون هو “دولة ونصف دولة”، بحسب العناني الذي يشير إلى أنهم يريدونها “دولة فلسطينية منزوعة السيادة، وبحكم ذاتي ولكن من دون أي سلطات أمنية، لأن ذلك يناقض الأمن الإسرائيلي من وجهة نظرهم”.
وبدوره، يربط المحلل السياسي اللبناني توفيق شومان جنوح المجتمع الإسرائيلي نحو اليمين بـ”ا










