رشا عبدالله سلامة
لربما كانت أحلاما وردية، تلك التي داعبت مخيلة وآمال فدائيي فلسطين ومناضليها القدامى، عندما كانوا يرددون إبان أيام ثورتهم أغنية "وردة لجريح الثورة"؛ إذ لم يدر بخلدهم أن أياما باهتة ستتلاحق عليهم يغرقون فيها بفقر مدقع وإهمال فظ، يشتهون فيها كسرة خبز، لا ترف الوردة كما كانوا يغنون.
كان الفدائيون هم وقود الثورة الفلسطينية في بقاع المنفى منذ مطلع ستينيات القرن المنصرم، حتى صرخ فيهم الشاعر الراحل محمود درويش عبر أبياته "كم مرة تتفتح الزهرة؟ كم مرة ستهاجر الثورة؟"، ليختار الرئيس الراحل ياسر عرفات بعد رحلة الثورة المضنية تلك أن يحط رحاله في بقايا فلسطين التي قضمها الاحتلال الإسرائيلي، على أن تخمد الثورة ويُدشّن عصر السلام.
عقود مرت على فدائيي فلسطين ومناضليها، ليغدو في خريف العمر من كان في ذلك الحين شابا يافعا، ولتتضاعف متطلبات معيشته وعلاجه، فيما المبلغ الرمزي الذي يتقاضاه من منظمة التحرير الفلسطينية ما يزال يراوح مكانه منذ عهد الثورة وجراحاتها.
في الأعوام الخمسة الأخيرة، تقلدت الفدائية تيريز هلسة منصب رئيسة جرحى فلسطين في الأردن والشتات، بمعاونة رفيقها المناضل نسيم عودة، لتغدو حياة كليهما مكرسة لخدمة ورفع سوية معيشة أولئك الفدائيين والجرحى الذين فقد جلهم من الصحة الجسدية والنفسية ما يؤهله للمضي في حياته من جديد.
و تماما كما هو حال الأيام الأخيرة من كل شهر، تمضي هلسة وعودة لكثير من الفدائيين الذين أقعدتهم صحتهم عاجزين عن القدوم لمقر منظمة التحرير في جبل الحسين لاستلام رواتبهم، يمضيان في نهارات طويلة إلى حيث يسكن كثيرين منهم في مخيمات اللجوء أو على أطرافها…
في أحد تلك الأيام المشارفة على ذكرى النكبة الواحدة والستين، يممت وجهها وعودة شطر منطقة الرصيّفة في عمان الشرقية، لتفقد أحد المنضالين المعروفين في الأوساط الإسرائيلية، فيما يلف سيرته النسيان في الأوساط الفلسطينية والعربية.
في جنبات ذلك البيت المتواضع، يجلس هناك على فراشه الرث، فيما يغطي عينيه المفقوأتين بنظارة سميكة سوداء منذ أربعين عاما، بينما تصدح من جهاز التسجيل بجانبه أغنيات وطنية منهكة من تقادم السنين عليها.
لا يرضى على الإطلاق استقبال الإعلام، إذ لطالما كان يبوح لرفاقه بقناعته أن عمليته الفدائية ليست مادة إعلامية، بل واجب وطني لا يستحق عليه شكرا. لذا، كان لزاما أن يبقى اسمه طي الكتمان بعدما تم إخفاء هويتي كصحفية عنه.
يتحدث بعفوية تجللها ابتسامة وتفاؤل رغم آلام تجربته النضالية، وعيشه وحيدا في منزل والديه.. متعلق بالزراعة وكأنما هو يسعى لاستحضار خضرة قريته الخليلية حلحول.. بخطواته المثقلة من آثار الرصاص في قدميه، يتكئ على عكازته المهترئة، وعلى جوانب الجدران، حتى يصل للفول و"الحويرة" والبازيلاء والدوالي التي يتفنن في زراعتها و الاعتناء بها.
مجموعة فدائية فلسطينية، هي ما اعتقد جنود الاحتلال في شهر أكتوبر من العام 1969 أنها هاجمتهم، ليتبين لاحقا أنه ليس إلا فدائي واحد يمتلك من القوة والذكاء ما يكفي لمهاجمة دورية إسرائيلية وإيقاع خسائر بشرية ومادية بها، لا باستخدام دروع وأسلحة متطورة، بل ببندقية ظل مصمما على إطلاق النيران منها حتى نفدت ذخيرتها، كما ظل محتضنا إياها حتى بعد أن أصيب جميع جسده بالرصاص وبعد أن ألقي القبض عليه.
وقف بعدها القائد العسكري الإسرائيلي موشيه دايان لتأدية التحية العسكرية للفدائي، قائلا حسبما تداولته الأوساط الحربية والإعلامية الإسرائيلية حينها "كم نحن بحاجة لمن هم في مثل جرأة وشجاعة هذا الرجل"، ولِيُزجّ بعدها في المعتقلات الإسرائيلية، حتى تم إخلاء سبيله عبر عملية لتبادل الأسرى.
كان ذلك بحسب تيريز وعودة اللذان يعرفانه وباقي رفاقهم جيدا، فيما هو وكأنما استشعر بأن تحقيقا صحفيا يحاك في الخفاء، ظل صامتا معظم الحديث، متحاشيا أن ينبس ببنت شفة عن عمليته الفدائية، مكتفيا بقول "عندما كنا نخرج للعمل الفدائي لم نكن نتطلع للقشور أبدا.. لم نكن نريد غير الاستشهاد".
يتحدث عن الطفل فارس عودة، الذي صوّرته كاميرات وكالات الأنباء العالمية بينما هو يتصدى لمدرعة إسرائيلية بالحجارة إبان الانتفاضة الفلسطينية الأخيرة، وكأنما هو يراه بقلبه لا بعينيه المفقوأتين.
يبستم بمرارة و بلا تعقيب عندما تقول له هلسة بأنها شَكَت لأحد المسؤولين الفلسطينيين من شظف عيش الفدائيين وعدم تلبية المبغ الرمزي الذي يتقاضونه لاحتياجاتهم، ليجيبها المسؤول حينها "خلي الفدائيين ياكلو عدس"..
عند باب حاكورته المتواضعة، يصر على توديع ضيوفه، برغم صعوبة سيره، بينما يبتسم لهم حتى يمضوا بعيدا، وكأنما هو يبصرهم..
الوجهة الثانية كانت نحو الفدائي عبد القادر الم
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ